من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

​أحسن القصص: بين بلاغة الوحي ودسائس الرواية

أسماء الريس
​أحسن القصص: بين بلاغة الوحي ودسائس الرواية

​حين وصف الله سبحانه وتعالى قصص القرآن بأنها "أحسن القصص"، لم يكن ذلك لمجرد جمال السرد أو بلاغة اللفظ، بل كان إعلاناً عن سمو المنهج وطهارة المحتوى؛ فالقرآن ميزان للحق يُعرض عليه كل ما سواه. لكن، وعلى مر العصور، تسللت إلى ثنايا التراث "دسائس" روائية، عُرفت بالإسرائيليات، حاولت أن تلطخ نقاء الصورة القرآنية بتفاصيل واهية، نالت من عصمة الأنبياء تارة، وجعلت من المرأة أداة للغواية والشر تارة أخرى.


​بلاغة الوحي.. طهر العبارة وكمال المقصد


​المتأمل في النص القرآني يجد عفةً في اللفظ وكمالاً في التصوير؛ فالقرآن يمر على مواضع الصراع البشري بترفّع عجيب، يسلط الضوء على موطن العبرة ويحجب ما لا يليق بجلال النبوة. لكن الدسائس الإسرائيلية جاءت لتعيد صياغة هذه القصص بمنطقٍ يكرس لتهميش دور المرأة وتحويلها من كيان مكرم إلى "أداة إيذاء" ومصدر للخطيئة.


​"خطيئة حواء" وشرارة التهميش الأولى


​بدأت دسائس الرواية منذ فجر البشرية، حيث روجت الإسرائيليات لفكرة أن "حواء" هي المسؤول الأول عن الخروج من الجنة، مصورةً إياها في صورة "الغاوية" التي أغرت آدم. بينما يأتي القرآن ليهدم هذا الزيف بضرباتٍ بيانية قاطعة، فخاطبهما بصيغة التثنية في قوله تعالى: {فَأَكَلَا مِنْهَا}، بل وضع المسؤولية المباشرة على عاتق آدم في قوله: {وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ} [طه: 121]. إن حواء في القرآن شريكة في التجربة والابتلاء، وليست "فخاً" نصبه الشيطان لإيقاع البشرية في الشقاء.


​الإسرائيليات في قصص الأنبياء: داود وسليمان نموذجاً


​لم تتوقف الدسائس عند حواء، بل امتدت لتنال من عصمة الأنبياء وتجعل المرأة "سلاحاً" لتشويه سيرتهم:

​في قصة داود عليه السلام: أقحمت الإسرائيليات رواية مكذوبة تتهمه بأنه فتن بامرأة أحد قواده، وأنه دبر لقتله ليتزوجها. هذه الرواية التي دُست في بعض كتب التفسير، تضرب عصمة الأنبياء وتجعل المرأة مجرد "فتنة جسدية" كانت سبباً في زلل نبي كريم. بينما نجد القرآن في سورة (ص) يطرح مشهد "الخصمين" ليعالج مفهوم "العدل" و"القضاء" وسرعة الأوبة إلى الله، دون أدنى إشارة لتلك القصة الأخلاقية المفتراة التي تسيء للنبي وللمرأة على حد سواء.

​في قصة سليمان عليه السلام: روجت بعض الروايات الدخيلة لفكرة أن سليمان فُتن بامرأة، أو أن "الشياطين" تمكنت من ملكه بسبب نسائه اللواتي أدخلن الأصنام إلى بيته. هذه الدسائس تهدف لإظهار المرأة كأداة لاختراق القوة الإيمانية والسياسية للأنبياء، بينما يصور القرآن سليمان ملكاً نبياً مسدداً، ويصور ملكة سبأ كنموذج للعقل والحكمة والشورى، لتكون المرأة في القرآن هي "المنقذ" لشعبها من الهلاك، لا أداة لهدم ملك الأنبياء.


​المرأة كأداة لإيذاء البشرية: النظرة المشوهة


​لقد استُخدمت المرأة في الروايات الإسرائيلية كأداة لتفسير كل "شر" يحيق بالبشرية، فمنها خرجت قصص "هاروت وماروت" وتصوير الزهرة كمرأة غاوية كانت سبباً في فتنة الملكين، وهي قصص لا أصل لها من الصحة وتخالف جوهر التوحيد. إن هذا المنهج الروائي المسموم يهدف إلى إيجاد حالة من "الارتياب" الدائم تجاه المرأة، وتحميلها وزر انحراف المجتمعات.


​الصحوة الحقيقية: تنظيف العقل من الأوهام


​إن "الصحوة" الفكرية التي ننشدها تبدأ من تنظيف العقل من هذه الروايات الهشة للعودة إلى شموخ النص القرآني. إن طريقنا إلى "القبس" يبدأ من كشف هذه "الدسائس" التي استهدفت وعينا الديني والاجتماعي.

​العودة إلى "أحسن القصص" تعني نفض الغبار عن المنهج الذي جعل معيار التفاضل هو "التقوى" لا "الجنس". إن كل رواية تخالف كمال الأنبياء، أو تكرس لصورة نمطية تجعل المرأة أداة للإيذاء والغواية، هي رواية ساقطة ومنبوذة. إن الحق لا يستقيم إلا بطرح هذه الأوهام جانباً، ليبقى الوحي وحده هو المنارة التي لا تخبو، حامياً لعصمة الأنبياء ومنصفاً لكرامة المرأة.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

7037
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.