الإدمان… حين يتحوّل الاحتياج إلى قيدٍ خفيّ
دائمًا عندما يُذكر مصطلح «الإدمان» تتجه الأذهان مباشرة إلى المخدرات، إلى الصورة التقليدية لشخصٍ انهار تحت وطأة مادةٍ سلبته إرادته وهدّد استقرار المجتمع. غير أن اختزال الإدمان في هذا الإطار الضيق يُفقدنا القدرة على رؤية الخطر الحقيقي، لأن الإدمان لم يعد مرتبطًا فقط بمادة تُتعاطى، بل بسلوكٍ يُمارَس، وبفراغٍ يُملأ بطريقة خاطئة.
الإدمان اليوم له وجوه متعددة: «الإدمان العاطفي»، «إدمان الإنترنت»، «إدمان الكحوليات»، «إدمان الجنس»، «إدمان الطعام»، «إدمان العمل». وقد تبدو بعض هذه الأنواع اجتماعيًا مقبولة، بل وممدوحة أحيانًا، كما في حالة العمل. لكن القاسم المشترك بينها جميعًا ليس الشكل، بل الجوهر: فقدان السيطرة، وتحول السلوك من خيار إلى ضرورة قهرية.
المشكلة لا تبدأ عند الفعل، بل قبله بسنوات. تبدأ عند «الاحتياج».
الإنسان مفطور على الاحتياج: إلى الحب، إلى القبول، إلى الأمان، إلى الشعور بالقيمة. وحين لا تُشبَع هذه الاحتياجات في مساراتها الطبيعية، يبحث الفرد عن مسارات بديلة. هنا يتحول الاحتياج غير المُلبّى إلى فراغ، والفراغ إلى بحثٍ محموم، والبحث إلى تعلّق، ثم إلى إدمان.
شخصٌ لم يجد احتواءً عاطفيًا كافيًا، قد يسقط في «الإدمان العاطفي» بحثًا عن أي علاقة تمنحه شعورًا مؤقتًا بالأمان.
شابٌّ يشعر بالتهميش أو البطالة أو الفشل، قد يلوذ بـ«إدمان الإنترنت» هربًا من واقعٍ لا يمنحه الاعتراف.
إنسانٌ يطارده الإحساس بعدم القبول، قد يلجأ إلى «إدمان الطعام» أو «الكحوليات» ليخدّر ذلك الصوت الداخلي الذي يهمس له بأنه غير كافٍ.
إن البطالة، والتهميش، والتقليل من القيمة، والتفضيل غير العادل، والفشل المتكرر، كلها ليست أسبابًا منفصلة، بل سياقات تولّد الإحساس ذاته: «أنا لست مرئيًا كما يجب». وعندما لا يجد الإنسان من يعترف به، يبحث عن أي شيء يمنحه شعورًا فوريًا بالامتلاء—even لو كان هذا الامتلاء زائفًا.
وهنا تكمن الخطورة المجتمعية الحقيقية.
فالإدمان لا يدمّر الفرد فقط، بل يعيد تشكيل المجتمع من الداخل. يضعف الإنتاجية، يفتت العلاقات، يرفع معدلات العنف الأسري، ويخلق أجيالًا تنشأ في بيئات غير مستقرة نفسيًا. والأسوأ أنه يُطبع كأمرٍ عادي، فنبرر «إدمان العمل» بالنجاح، و«إدمان الإنترنت» بالتطور، و«الإدمان العاطفي» بالحب، بينما الحقيقة أن كل ما يفقد الإنسان حريته هو قيد، مهما كان اسمه.
المواجهة لا تكون فقط بالعلاج بعد السقوط، بل بالوقاية قبل الانحدار.
المجتمع الذي يريد تقليل الإدمان، عليه أولًا أن يعيد النظر في كيفية تلبية احتياجات أفراده:
أن يعزز ثقافة الاحتواء داخل الأسرة،
أن يحارب التهميش في مؤسسات العمل،
أن يمنح الشباب مساحات حقيقية للإنجاز،
وأن يعيد تعريف القيمة الإنسانية بعيدًا عن المقارنات الجارحة.
الإدمان في جوهره ليس شهوة زائدة، بل احتياجًا مُهمَلًا.
وكل احتياج لا يجد طريقه الصحيح، سيصنع لنفسه طريقًا آخر… حتى لو كان طريقًا إلى الهاوية.
إن أخطر ما في الإدمان أنه يبدأ كحلٍّ، وينتهي كأزمة. يبدأ كمهربٍ صغير من الألم، وينتهي كسجنٍ كبير لا يرى صاحبه جدرانه إلا بعد فوات الأوان.
لذلك، حين نتحدث عن الإدمان، علينا ألا نسأل فقط: «ماذا يتعاطى؟»
بل نسأل أولًا: «ما هو الالم الذى كان يحاول تخديره؟»
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك