لماذا لا يتحول الادخار إلى استثمار؟
حين يختار الناس الأمان… لا المغامرة
في كل بيت مصري تقريبًا، هناك محاولة للادخار.
ليس رفاهية… بل خوفًا من الغد.
خوف من مرض مفاجئ.
من ظرف طارئ.
من مستقبل غير واضح.
لكن السؤال الأهم:
لماذا يبقى هذا الادخار ساكنًا؟
لماذا لا يتحول إلى استثمار يخلق إنتاجًا وفرص عمل ودخلًا أكبر؟
الفرق بين الادخار والاستثمار هو الفرق بين المال الساكن… والمال الذي يعمل.
الادخار يحمي صاحبه.
أما الاستثمار فيحرك الاقتصاد كله.
إذن لماذا يفضّل كثيرون الادخار الآمن — حتى لو بعائد ضعيف — على الاستثمار المنتج؟
الإجابة تبدأ بكلمة واحدة: الثقة.
المستثمر الصغير لا يخاف من قلة العائد فقط.
بل يخاف من عدم القدرة على التنبؤ.
يخاف من تقلبات مفاجئة.
من قرارات غير متوقعة.
من سوق لا يفهم قواعده.
حين يغيب الاستقرار التشريعي،
ويصبح المناخ الاقتصادي سريع التغير،
يتحول رأس المال إلى كائن حذر.
يفضل الانتظار على المخاطرة.
هناك سبب آخر: الثقافة الاستثمارية.
كثيرون لا يملكون أدوات الفهم الكافي للأسواق.
لا يعرفون الفرق بين استثمار طويل الأجل ومضاربة قصيرة.
ولا يجدون منصات مبسطة وآمنة تساعدهم على الدخول بثقة.
في ظل هذا الفراغ، يبحث الناس عن “الأصل الملموس”.
شيء يمكن رؤيته ولمسه.
عقار.
ذهب.
عملة صعبة.
هذه ليست خطيئة اقتصادية.
بل رد فعل طبيعي لبيئة غير مستقرة بالكامل.
لكن النتيجة الكلية ليست بسيطة.
حين تتجه المدخرات إلى التخزين بدل الإنتاج،
يتباطأ خلق فرص العمل.
ويقل تمويل المشروعات الصغيرة.
وتتقلص دائرة النمو الحقيقي.
الاقتصاد لا ينمو بالادخار وحده.
ينمو حين يتحول الادخار إلى تمويل لمصنع،
أو شركة ناشئة،
أو توسع إنتاجي.
السؤال إذن ليس:
لماذا الناس لا تستثمر؟
بل:
هل وفرنا لهم بيئة تجعل الاستثمار قرارًا منطقيًا… لا مغامرة خطرة؟
لكي يتحول الادخار إلى استثمار، نحتاج إلى ثلاث دعائم أساسية:
أولًا: استقرار القواعد.
لا استثمار في بيئة تتغير قواعدها فجأة.
ثانيًا: أدوات آمنة ومتنوعة لصغار المدخرين.
ليست كل الاستثمارات مخاطرة عالية.
ثالثًا: شفافية ومعلومات واضحة.
لأن المال يخاف الغموض.
الناس لا ترفض الاستثمار.
الناس تبحث عن الطمأنينة.
حين يشعر المواطن أن القانون مستقر،
وأن السوق منظم،
وأن المخاطر محسوبة،
سيتحول الادخار تدريجيًا إلى طاقة إنتاج.
مصر لا ينقصها رأس المال.
رأس المال موجود في البيوت.
في الحسابات البنكية.
في الأصول المخزنة.
ما نحتاجه هو تحويل الخوف إلى ثقة.
والانتظار إلى حركة.
لأن المال حين يعمل…
لا يزيد فقط أرباح صاحبه،
بل يزيد قوة الاقتصاد كله.
والاقتصاد الذي يتحرك…
أقوى من اقتصاد يختزن قلقه.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك