الكاتب السعودي نايف مهدي" أنا كاتب منحاز للبسطاء بقلب محب وعقل متورط "
مدججا بوعى مدهش ومسلحا ببصيرة نافذة ومتكئا على قاعدة معرفية قوامها علوم النفس والإجتماع بالإضافة إلى خبرات حياتية عريضة يدشن الكاتب السعودى الشاب نايف مهدى طريقا على مضمار الإبداع يخصه وحده ، حيث جاءت مؤلفاته التى صدرت عن كبريات دور النشر بالوطن العربى وكأنها مكتوبة بحبر القلب فاللغة سلسة ومكتنزة ومشحونة بكم هائل من الدلالات والإسلوب سهل وسلس وخال من الألفاظ المهجورة والمقعرة والعناوين جميعها تحلق فى أفق النصوص ، فكان كتابه الأول المعنون " يوميات كاتب " بمثابة شهادة ميلاد لكاتب شاب صاعد واعد يمتلك ناصية اللغة ويمسك بأدوات الكتابة جيدا .
وكان كتابه الثانى المعنون " بصمات مرتجفة " بمثابة وثيقة إدانة لكل مايعيق الإنسان فى سعيه لتحقيق ذاته حيث ضفر الشخصى مع العام ومزج بين الواقعى والمتخيل مشيرا إلى النواحي السلبية فى البناء الإجتماعى العربى والسياق الثقافى بوجه عام ، ثم جاء كتابه المعنون " المعتقل الأحمر " الذى تمت ترجمته إلى اللغة الفرنسية كدرة تاج لمشروع الكاتب الشاب نايف مهدى السردى حيث جاءت قصصه القصيرة جدا التى أفرد لها كتابيه مثل سيمفونية طويلة من اللحن الشجي ضد عوامل الإستلاب والقهر وكل مايمنع الإنسان من تحقيق ذاته ، ويحول بينه وبين التقدم والتحديث .
نايف مهدى يعتمد اللغة أساسا فتأتى قصصه القصيرة جدا وكأنه يمتح من نهر فرات سائغ شرابه ، عذبة رائقة مصفاة تكاد تضئ ، ولقد خبر الكاتب أنواع عدة من الكتابة من بينها أدب الرسائل والتى جاءت بنفس العذوبة وذات الجمال حيث أبهرنى مخطوط كتابه فى أدب الرسائل والذى يعد من وجهة نظرى واحدا من دواوين الحياة المعاصرة لما حواه بين دفتيه من وقائع واحداث ومأسى وافرح وألام وآمال عبر تداول وتبادل المرسل والمستقبل الرسائل بينهما ، أما الكتاب الذى نحن بصدده الأن والذى جعل عنوانه " أبواب يسندها الفراغ " فتأتى نصوصه القصيرة جدا مثل طلقات الرصاص التى تعرف هدفها جيدا فتعترينا الدهشة ويتملكنا الألم .
الكاتب نايف مهدى لايكتب وكفى بل تؤكد كتاباته على أنه كاتب هادف له رسالة ويعمل تحت لافتة - الفن للمجتمع - فالكاتب يوظف كل طاقاته من أجل التنوير والتحديث من خلال الكتابة بدون مباشرة فجة أو تقريرية فاضحة بل يعتمد المجاز أساس لبث رسائله المحملة بالقيم الكبرى ، والتورية قاعدة إنطلاق لإرسال رؤيته الطوباوية للكون والمجتمع والإنسان ، ويبقى التكثيف هو أهم ملمح من ملامح هذه النصوص التى تتماس مع تخوم الشعر لدرجة أنها أصبحت - من وجهة نظرى -- كتابة عبر نوعية _ تتأرجح مابين النثر وبين الشعر بطريقة تدخلنا طوعا إلى مدن الدهشة وتؤكد فى أن الكاتب نايف مهدى لديه يخصه وحده
وعلى هامش فعاليات معرض القاهرة الدولى كان لنا معه هذا الحوار
__ ماذا عن نشأتك الاجتماعية ومصادر تكوينك المعرفي وبمن تأثرت من الكتاب؟
نشأت في أسرة كبيرة بسيطة، ميسورة الحال، كثيرة العدد لزواج أبي بزوجتين قبل أن يتزوج بأمي حفظهما الله وأطال عمريهما في صحة وبركة وعافية، ولكوني أكبر أشقائي فقد حملت المسؤولية من صغري، الأمر الذي جعلني أخرج للحياة- إن صح التعبير- في سن مبكرة متقدمة على عمري، ما جعلني أختبر مواقف عديدة وتجارب كثيفة، جعلتني أقف من الناس موقف الراصد تارة والمتعجب والمذهول تارة أخرى؛ فقد كنت أطيل التفكير في حال الناس وما يمرون به من أفراح وأتراح وشدائد ورخاء، وإنعام وابتئاس، وصحة وأسقام، وإنفاق وتقتير.
كل هذه المواقف كانت تشعل في ذهني فتيل الترقب الفاحص الذي يحاول فهم نفسي أولًا، ثم سبر دخائل غيره من البشر في سياق حياتهم وكدحهم واجتهادهم وانكسارهم. أما مصادر تكويني المعرفي، فقد نشأت تحت رعاية أب يهدر الشعر بداخله كالموج وينظم القصائد الطويلة رغم عدم إلمامه بالقراءة والكتابة، ورعاية جدة حكّاءة من الطراز الرفيع تلقي علينا حكايات الأساطير والموروثات بسرد محكم ومشوّق كل التشويق.

وكانت المواقف الحياتية والملاحظات المطولة لسلوكات البشر رافدًا هامًا في تكوين معرفتي، إضافة إلى ذلك، فأنا قارئ نهم منذ صغري للآداب العالمية، وكتب علوم النفس، والفلسفة والمنطق والتاريخ.
وقد تأثرت ببعض الكتاب الكبار أمثال نجيب محفوظ والمنفلوطي وتوفيق الحكيم ويوسف إدريس وعبد الرحمن منيف ودوستويفسكي وليو توليستوي وأنطون تشيخوف وغي دي موباسان وإدغار آلن بو وجون شتاينبك وفرانز كافكا وغابرييل غارسيا ماركيز وإيزابيل ألليندي وغيرهم الكثير والكثير.
وحرصت أن أهضم تجاربهم وأعيها بعقل فاحص ناقد، وأبتكر أسلوبي الكتابي الخاص بي دون أن أتماهى مع هذا الكاتب أو ذاك.
__القارئ لأعمالك الإبداعية يدرك منذ الوهلة الأولي أن لديك ولعا مدهشا بحياة البسطاء والمهمشين ... فما هو السبب في هذا الولع وهذا الاهتمام؟
مرد ذلك إلى عدد من الأمور التي سوف ألخصها بشكل بسيط وموجز، أولًا القارئ يميل بطبيعته إلى الشخصيات التي تشبهه أو تشبه محيطه الاجتماعي. البسطاء يحملون همومًا يومية واضحة مثل الشقاء، والفقد، والقلق المسيطر، والحلم، والكرامة المنقوصة. هذه التجارب مشتركة إنسانيًا، لذلك يسهل التعاطف معهم، بينما تبدو حياة المترفين بعيدة أو غير قابلة للمشاركة الشعورية على نطاق أوسع في شرائح المجتمع.
وحياة المهمّش غالبًا ما تخلو من الأقنعة الاجتماعية الثقيلة، فلذلك يظهر انفعاله مباشرًا وصادقًا. الأدب يتغذى على الصدق الشعوري، لا على المظاهر والترف. ولهذا تبدو دمعة الفقير أبلغ من خطاب الثري، لأن الأولى تنبع من ضرورة وجودية لا من فائض ترف، وكذلك فالمهمَّش يعيش غالبًا في منطقة صراع دائم: مع الفقر، والسلطة، والمجتمع، أو القدر. والصراع هو وقود السرد. أما الشخصية المترفة فغالبًا ما تملك أدوات الحل، مما يقلل من حدّة التوتر الدرامي ما لم يُعالج الكاتب ذلك بعمق نفسي أو فلسفي، وكما هو معلوم فالأدب تاريخيًا انحاز -في كثير من تجلياته -إلى صوت من لا صوت لهم، فالكتابة عن المهمشين ليست مجرد اختيار موضوع، إنما هي موقف جمالي وأخلاقي، يجعل النص شاهدًا على معاناة الإنسان وصموده، وليس مجرد وصف لرفاهية الحياة.
__ ماذا عن علاقتك بالحركة النقدية وهل تشعر أن إبداعاتك قد نالت اهتماما نقديا يليق بها؟
الحركة النقدية مطلوبة ولها دور مفصلي وهام في كل الفنون، فهي كشّاف للإبداع مبيّنٌ له ودالٌ عليه في ظل ما نشهده من غزارة إنتاجية شديدة اختلط فيها الغث والسمين والعمل المجوّد الرصين والضحالة السقيمة. والحقيقة أن الحركة النقدية يشوبها بعض البطء. ووجود النقّاد البارعين موازٍ لوجود الكتاب المبدعين أنفسهم، ونأمل أن نشهد تطورًا وتقدمًا في الحراك النقدي خلال هذه الأعوام المقبلة.

أما فيما يخص أن أعمالي قد نالت اهتمامًا نقديًا، فأقولك لك بكل صدق أن أعمالي- ولله الحمد- قد نالت التفاتًا نقديًا جادًا، فهناك العديد من القراءات النقدية في الصحف الأدبية والثقافية قد تناولت أعمالي سواء بصمات مرتجفة أو المعتقل الأحمر من عدة وجوه هامة، وأجريت بعض الدراسات النقدية الأكاديمية حولهما، وقد ترجم عملي "بصمات مرتجفة" إلى اللغة الفرنسية عبر وزارة الثقافة السعودية -بحمد الله- ضمن الأعمال الإبداعية الصادرة عام 2024 في المملكة العربية السعودية، ونوقشت أعمالي السردية في اتحاد كتاب مصر في أمسية نقدية بعنوان" السرد السعودي المعاصر؛ نايف مهدي أنموذجًا".
كما أن هناك كتابًا نقديًا ألفه الناقد الكبير والشاعر المصري سامي ناصف حول كتابي بصمات مرتجفة بعنوان "تجليات الثيمة في "بصمات مرتجفة" للأديب/ نايف مهدي"، وسوف يصدر الكتاب خلال هذه الأيام القليلة بمشيئة الله. كما أنني تصلني العديد من القراءات النقدية والانطباعية عن أعمالي حتى هذا اليوم من مختلف الدول العربية بحمد الله، وأرجو أن أقدم أعمالًا إبداعية تستقر في نفوس القُرّاء والنقاد من خلال أعمالي السابقة وكذلك أعمالي المقبلة بحول الله في قادم الأيام.
__ ماذا عن الجوائز والتكريمات في مسيرتك الإبداعية؟
فزت بالعديد من الجوائز المحلية في شقي القصة القصيرة جدًا والقصة القصيرة وآمل أن أوفق وأفوز بجوائز إقليمية ودولية بمشيئة الله، وكُرّمت مرارًا في أماسي قصصية ونقدية داخل المملكة العربية السعودية، ويظل الكاتب يترقب أن يفوز بجوائز دولية، رغم الضبابية والغموض التي أحيانًا تكتنف معايير الفوز في هذه المسابقات، وتجعلها أحيانًا أشبه بالفوز بجائزة اليانصيب.
__ ثمة تقارب وتشابه مع موضوعات وتكنيكيات قصصك لموضوعات، بل وأفكار لشعراء لا يعالجها إلا الشعر فما السر في هذا وهل ترى أن السرد يعد صالحا لممارسة هذا الدور؟
قبل كل شيء، أنا بدأت حياتي الأدبية شاعرًا شعبيًا، مكتنزًا بأساليب الشعر ومعاجمه الحسية، وربما ذلك يعود لأن والدي في الأصل شاعر شعبي معروف بين أبناء قبيلتنا والقبائل الأخرى، ثم ملت بعد ذلك إلى السرد ووقع في نفسي موقعًا عظيمًا، فدمجت الجنسين في
الجنسين في الكتابة السردية وخلصت إلى أسلوبي الذي أكتب به الآن. وأرى حقيقةً أن السرد بمقدوره أن يمارس الأدوار الشعرية بحدود معقولة لا تنطمس معها سيرورة السرد وانتظام عقده، كما أن السرد حقل واسع يستطيع أن يستوعب العديد من الأجناس الأدبية، والفنون التشكيلية، والأنثروبولوجيا في شتى مناحيها وغيرها من العلوم والفنون.
__ خلال حياتك تنقلت وزرت أكثر من قطر عربي، بل وأجنبي أيضا فما هي تجليات تلك الرحلات في انتاجك الأدبي؟
الأسفار توّسع من مخيلة الكاتب، وتمتحه بالعديد من التجارب الإنسانية وطبائع الشعوب وتعاملاتها وثقافتها وأديانها وسلوكاتها في شتى مناحي الحياة، الأمر الذي يهيئ للكاتب مادة سردية حية ومعاشة، فمن رأى بعينه ليس كمن قرأ، ومن اختبر الناس وغاص في أعماقهم ليس كمن يتسقط أخبارهم سمعًا ونقلاً. فهذه الأسفار جعلتني أقترب من التجربة الصوفية في بعض البلدان، ومن الطقوس الكونفوشية في بلدان أخرى، ومن ثقافة الزن، والليبرالية والرأسمالية والشيوعية، كل هذه الأمور وغيرها الكثير جعلتني أشعر أن الإنسانية جمعاء كينونة واحدة تتقاطع في الهموم والصعوبات وتوسع من نطاق الأسئلة الوجودية الكبرى رغم قشرتها الخارجية المختلفة، والذي يقرأ نتاجاتي السردية سوف يلامس هذه التجليات في عدد من الموضوعات والإشكالات التي أطرحها، دون وعظ أخلاقي أو خطابة، وأطلب من المتلقين أن يشاركوني في إنتاج وبلورة هذا المعنى أو ذاك.
__ في ظل التفكك الذي يضرب الوطن العربي وحالة الوهن التي يعيشها العرب من المحيط الي الخليج كيف تري القاهرة وما هو انطباعك عنها كحاضرة للثقافة ومنارة للمعرفة على مدى التاريخ؟
حين نستحضر تاريخ الثقافة العربية، تكاد القاهرة تنهض تلقائيًا في الذاكرة بوصفها مدينةً لا تكتفي بأن تكون مسرحًا للحضارة، بل صانعةً لها. فهي ليست مجرد عاصمة سياسية، بل عاصمة رمزية وأدبية للعقل العربي منذ قرون سحيقة، ومفترق طرقٍ للأفكار والتيارات والمدارس الفكرية منذ قرون، وعبر تاريخها الطويل الضارب في القدم، تعاقبت على القاهرة دولٌ وعصور، من الفاطميين إلى المماليك فالعثمانيين ثم العصر الحديث، وكل مرحلة تركت طبقة معرفية في وجدانها.
لذلك تبدو المدينة كأنها مكتبة حيّة، تتجاور فيها المدارس والمساجد والكنائس والجامعات والمطابع والمقاهي الثقافية، فتكوّن نسيجًا معرفيًا متصلًا لا ينقطع. وأحد أسرار سحرها الثقافي والأدبي أنها لا تفصل بين الثقافة العليا والثقافة الشعبية؛ فالأدب يمكن أن يولد في جامعة كما يمكن أن يولد في مقهى، والفكرة قد تُناقش في صالون فكري أو في جلسة عابرة على ضفاف النيل.
هذا التداخل منحها حيوية فريدة وجعلها مدينة تنتج الثقافة كما تتنفس. ويكفي القاهرة افتخارًا، على الصعيد الأدبي، أنها أنجبت عمالقة الأدب مثل أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وأمل دنقل ونجيب محفوظ وطه حسين ومصطفى المنفلوطي وعباس العقاد وإبراهيم المازني ويوسف إدريس وتوفيق الحكيم ويحيى حقي ويوسف القعيد وخيري شلبي والقائمة تطول بلا حصر ونهاية. والقاهرة حاضرة في كل قلب عربي شبّ على معاني الجمال والحضارة والعراقة.
تشهد المملكة العربية حراكا ثقافيا ملحوظا، فما رأيك في الأطر والتنظيمات التي تعني بالكتاب وهل قامت بدورها كما ينبغي؟
الحقيقة أن القطاع الأدبي والثقافي في المملكة العربية السعودية- حماها الله- يشهد انتقالًا واضحًا وجليًا من المبادرات الفردية إلى العمل المؤسسي المنظم عبر وزارة الثقافة وما ينضوي تحتها من هيئات وجمعيات أدبية فاعلة مثل هيئة الأدب والنشر والترجمة وجمعية الأدب المهنية وجمعية الثقافة والفنون والأدوار الهامة التي يمثلها الشريك الأدبي هذه الأيام، كل هذا التظافر والتعاضد الكبير أوجد بنية تحتية داعمة للكاتب والناشر والقارئ معًا.

لقد أُطلقت برامج دعم للنشر والترجمة، ومسابقات أدبية تحتفي بالإبداع وترصد له الجوائز القيمة، ومنصات تدريبية وورش للكتابة، وندوات أدبية وثقافية تحتضنها المقاهي، إضافة إلى معارض الكتب الدولية والمحلية التي تحولت إلى مواسم ثقافية كبرى لا مجرد أسواق صمّاء لبيع الكتب. فهذه الأدوار مثمنة وتعد وثبة مدروسة نحو العالمية وسوف تؤتي أكلها في المستقبل القريب، وهي في تطور دائم وفق استراتيجيات مُحكمة ومرنة تصب في صالح الأدب السعودي في كل مناحيه واتجاهاته.
من وجهة نظرك ككاتب شاب هل ترى أن المستقبل للنشر الإلكتروني أم أن الكتاب الورقي سيظل صامدا أمام الحاسوب وأدوات وأنساق المالتي ميديا الحديثة؟
أعترف لك أنني من محبي الكتب الورقية سواء في عملية النشر أو حتى القراءة، لكن المميزات والتسهيلات والانتشار الكبير وانخفاض التكلفة كل هذه العناصر القوية تصب في كفة النشر الإلكتروني وأنساق الوسائط المتعددة في وسائل التواصل الاجتماعي، وأقول لك بكل عقلانية وبعيدًا عن العاطفة والميول أن النشر الإلكتروني والوسائط الحديثة سوف تتسيد المشهد الأدبي والثقافي، دون منافسة، خلال الأعوام القليلة القادمة.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك