من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

مَاهِرُ وَالكُرَةُ الطَّائِرَةُ

بقلم د / شاكر صبري
مَاهِرُ وَالكُرَةُ الطَّائِرَةُ

ماهرُ تِلميذٌ ذَكِيٌّ، ومُتَمَيِزُ في دِراسَته، ومَحْبوبٌ مِن زُمَلائِهِ، ومَعَ ذلكَ كانَ ماهراً في لُعْبةِ كُرةِ القَدَمِ ، ومَعروفاً بينَ زُملائِهِ بمَهَارَتِهِ فيها ، والكُلُّ يتَمنَّى أنْ ينْضمَّ ماهرٌ إلى فريقِهِ  

ولِحُبِّهِ لِكُرةِ القَدَمِ اشْترَى لَهُ والدُه كُرَةَ قَدَمٍ جَديدةً لِيَلْعَبَ بِها مُبارياتَهُ الخاصَّةً بِهِ مَعَ زُملائِهِ , فاحْتَفَظَ بِها ماهرُ مُدَّةً طويلةً دونَ أنْ يَلْعَبَ بهِا في مَخْزَنٍ مَهْجورٍ . 

  وذاتَ يَوْمٍ احْتاجَ ماهِرُ إِلَيْها لِيَلْعَبَ بِها مُباراةً معَ الأَصْدِقاءِ فَذَهَبَ إلى المَنْـزِلِ وأخْرَجَها لِكَيْ يَلْعَبَ بِها هُو وزُملاؤهُ ، وأَثْناءَ لَعِبِهِ بِها وَجَدَ أَنَّها تَطيرُ في الهَواءِ بِمُجَرَّدِ أنْ يَقذفها بقدمه , حَيثُ كانَتْ تَنْطَلِقُ إلىَ مَرْمَى الخِصْمِ بِسُرْعَةٍ فائقَةٍ بِمُجَرَّدِ أنْ يَقْذِفَها ماهِرُ , و تَمُرُّ منْ بينِ اللاعبينَ بأُعْجوبَةٍ .

أَكْمَلَ ماهرُ بها مُبارَياتهِ معَ زُملائِهِ، وحَقَّقَ فَوْزاً مُبْهرِاً ، ولَكِنَّهمْ لمْ يعْرِفوا سِرَّ ذَلكَ النَّجاحِ , بلْ أَطْلَقوا عَلَى ماهرٍ لَقَبَ البَطَلَ , لمهارَتِهِ الفائِقَةِ ، وإنْ كانَ أَداؤهُ قبلَ ذلك ممتازًا إلاَّ أنَّهُ في هذِه المُبارياتِ الأَخيرَةِ كانَ أفضلَ وأفْضَلْ .


  وفَهمَ ماهرُ أنَّ كُرَتَهُ هذهِ غَيرَ تَقْليديَّةٍ، إِنَّها تَطيرُ وَحْدَها وتَطيرُ صَوْبَ المَرْمى ؛ ولِهَذا فَقَدْ قَرَّرَ أَنْ يَلْعَبَ بِها كُلَّ مُبارياتِهِ معِ أَصْدقائهِ ، خاصَّةً وأنَّ دَوْري المَدارسِ علَى الأَبوابِ , ولأَنَّ كُرَتَهُ كانَتْ مَصْنوعَةً منْ الجِلْدِ الخالِصِ ، وكانتْ جَميلَةَ المَنْظَرِ ومَصنوعَةً طِبْقاً لِلْمُواصفاتِ الدُّوَلِيَّةِ لِكُرَةِ القَدَمِ ، فَقَدْ قَرَّروا أنْ يَلعَبوا بِها مُبارياتهِمْ ، وطَلَبَ مِنْهُ المَسْئولونَ عَنْ دَوْري كُرَةِ القَدمِ أنْ يَتْرُكَ لَهُمْ كُرَتَهُ لِتَكونَ الكُرَةَ الأَساسِيَّةَ طَوالَ فَتْرَةِ الدَّرْوَةِ ، فَوافَقَ ماهِرُ علَي الفَوْرِ ، ولكِنْ بشَرْطِ أنْ يَسْتعَيدَها بَعْدَ الانْتِهاءِ منْ دَوْري المَدارِسِ .

   وبَدَأ الدَوْري ، وكانَ ماهرُ لامِعًا ومُتَأَلِّقَا بَيْنَ زُمَلائهِ .

   وانْتَهى الدَوري وحَصَلَ فَريقُ ماهِرٍ علَى كَأْسِ دَوْري المَدارسِ ، وحَصَلَ ماهِرُ على جائِزَةِ أَحْسَنِ لاعِبٍ في الدَّوْرةِ .

لاحَظَ الكَثيرُ منْ زُملائِهِ أنَّ هُناكَ سِرًّا في تَمَيُّزِ ماهرِ ، ولَكِنَّهمْ لمْ يعْرِفوا ما هوَ السِرُّ ؟ بَحَثوا كَثيراً حتَّى عَلِموا أنَّ السَّبَبَ في تَمَيُّزِهِ هُوَ كُرَتهُ الطائِرةُ ؛ ولِهَذا قَرَّروا خَطْفَها ، لِكَيْ يَقوموا بتمزيقها ؛ لأنَّهُمْ لَنْ يَسْتَطيعوا الاسْتِفادةَ منها .

و بِخِطَّةٍ مُحْكَمَةٍ اسْتَطاعوا سَرِقَةَ الكُرِةِ ، ولَكِنَّهُمْ فوجِئوا في اليَوْمِ التَّالي أَنَّها غَيْرُ مَوْجودَةٍ عِنْدَهُمْ وأَنَّها قَدْ عادَتْ إلىَ ماهِرٍ , فَظَنُّوا أنَّ ماهرَ هُوَ الذي خَطَفَها منْهُمْ ثانِيَةً فَقَاموا بِخَطْفِها مَرَّةً ثانِيَةً , وقامَ أَحَدُهُمْ بِوَضْعِها في حُجْرَتهِ ، وظَلَّتْ مَعَهُ طَوالَ اللَّيْلِ، وفي صَباحِ اليَوْمِ التَّالي وَجَدها عنْدَ ماهِرٍ , تعَجَّبوا كَثيرًا منْ هذِه الكُرَةِ الطائرِةِ وعَلِموا أَنَّها مَسْحورةٌ ؟ وتَساءَلوا مِنْ أَيْنَ حَصَلَ علَيْها ماهِرُ ؟ 

  ولَكِنَّهُمْ قَرَّروا في النِّهايةِ أنْ يُمَزِقوها إِرَباً إِرباً .

أمَّا ماهِرُ فَقَدْ اشْتَرى كُرَةً أُخْرَى شَبيهةً لِكُرَتهِ، و لَعِبَ بِها مَعَهُمْ وأَخْفَى هَذِه الكُرَةَ .

وأَثْناءَ المُباراةِ قامَ الأَصْحابُ الحاقِدينَ علَي ماهِرٍ وسَرَقوا كُرَتَهُ ، وقاموا بِتَمْزيقِها أَمامَ ماهِرْ ، غَضِبَ ماهِرُ غَضَبًا شَديدًا لِذلكَ ؛ مُدَّعِيًا أنَّ هذهِ الكُرَةَ تُمَثِّلُ قيمَةً عَظيمةً لَدَيْهِ ، ولَمْ يُعْلِمَهُمْ بما حَدَثَ ، فَاشْتَرَوْا لَهُ كُرَةً أُخْرَي شَبيهَةً بِكُرَتِهِ ، وقَبِلَ ماهِرُ ذَلكَ حتَّي يُكْمِلَ الخِدْعَةَ . وبِذلكَ تَأَكَّدوا أنَّ الكُرَةَ قَدْ تَمَزَّقَتْ .

وطَلَبوا جَميعاً إِقامَةَ دَوْري آخرَ لِكُرَةِ القَدَمِ .

  وأقيمَ دَوْري كَبيرٌ بينَ جَميعِ التَّلاميذِ ، واشْتَرَكَ ماهِرُ بِفَريقِهِ في الدَّوْري , ولَعِبَ بِكُرَةِ الإِدارَةِ التَّعْليميَّةِ , واتَّفَقَ ماهِرُ معَ أَحدِ أَصْدقائهِ بأَنْ يُبَدِّلَ الكُرَةَ التِّي يَلْعَبُ بِها بِكُرةِ ماهرٍ السِّحْرِيَةِ أَثْناءَ المُباراةِ في حالة خروج الكُرَةِ منْ المَلْعَبِ دونَ أَنْ يَشْعُرَ أَحَدٌ بِذَلكَ .

  وفوجِئَ الجَميعُ بِتَمَيُّزِ ماهرٍ المُبْهرِ، وَحَصَلَ فَريقُ ماهرٍ علَى دِرْعِ الدَّوْري ، و حصَلَ ماهرُ علَى جائِزَةِ أَحْسَنِ لاعِبٍ في الدَّوْري .

وأَصْبَحَ الجَميعُ يَتَحَدَّثُ عنْ كُرَةِ ماهِرٍ الطَّائرةِ ، وما سِرُّ طَيَرانِها، ولماذا تَكونُ كذلكَ معَ ماهرَ فَقَطْ ؟! وقالوا : إِنَّها كُرَةٌ مَسْحورَةٌ ، وقَرَّروا أَنْ يَمْنعوا ماهِرًا منْ اللَّعِبِ بِها , وقَرَّرَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَقومَ بِتَمْزيقِها أَمامَ الجَميعِ , حتَّى لا تكَونَ سَبَباً في تَفَوُّقِ ماهِرَ 

وعَلِمَ ماهِرُ أَنَّ سِرَّ كُرَتِهِ أَصْبَحَ يَعْرِفُهُ الجَميعُ فَقالَ : لَقَدْ عَرِفَ الجَميعُ أَنَّ سِرَّ نَجاحِي هُوَ كُرَتي الطَّائِرَةُ , وهَذا يُؤلِمُني جِدًّا ، فأَنا أُحِبُّ أَنْ أَعْتَمِدَ علَى نَفْسي .

  ولِهَذَا قَرَّرَ ماهِرُ أَنْ يَقومَ بِإهْداءِ هَذهِ الكُرَةَ إلَى إِدارةِ المَدْرَسةِ ، وبِشَرْطِ أَنْ لا يَلْعَبَ بِها بَعْدَ ذَلِكَ أَيَّ مُباراةٍ خاصَةٍ لَأنَّ مَفْعولَها السِّحْريِّ يَظْهَرُ حينَ يَلْعَبُ بِها ماهِرُ فَقَطْ .

و وأَخَذَ ماهِرُ الكُرةَ مَعهُ في حَفْلِ نِهايَةِ العامِ , أَثْناءَ توَجُهِهِ لِلْحُصولِ عَلَى كَأْسِ أَحْسَنِ لاعِبٍ علَي مَدارِ العامِ ليَقومَ بِإِهْداءِ كُرَتِهِ إلَى إِدارَةِ المَدْرَسَةِ .

  لاحَظَ ماهرُ أنَّ كُلَّ زُمَلائِه كانوا ينَظْرونَ إِلَيهِ ، ويُريدونَ الحُصولَ علَى الكُرَةِ،

وحدَثَ ما تَخَيَّلَهُ ماهرُ ، لَقَدْ هَجَمَ علَيْهِ زُمَلاؤُهُ مَرَّةً واحِدَةً ، فقذَفَ ماهِرُ علَي الفَوْرِ الكُرةَ بَعيداً في الهَواءِ إلَى أَعْلَى فطارت ولم تعد ثانية .

 طارَتْ الكُرةُ بَعيدًا دونَ رُجوعٍ ، صعَدَتْ في السَّماءِ ولَمْ يَعْلَمْ أَحَدٌ مكانَها بعدَ ذَلِكَ , تَعَجَّبَ الجَميعُ من هَذِهِ الكُرَةِ وعَلِمُوا أَنَّها كُرّةُ ماهِرٍ المَسْحورَةُ قدْ ذَهَبَتْ بِلا عَوْدَةٍ , واتَّجَهَ ماهِرُ لاسْتلامِ جائِزَتَهِ 

وبَدَأَ العامُ الجَديدُ ، وقَرَّرَ ماهرُ أنْ يَعْتَمِدَ علَى مَهارَتَهِ وأنْ لا يُفَكِّرَ ثانِيَةً في الكُرَةِ الطَّائِرَةِ ، خاصَّةً وأنَّهُ كانَ ماهِراً في أَلْعابٍ أُخْري كَثيرةٍ .

 وَجَدَ ماهِرُ أنَّ ما حَدَثَ كانَ حُلْماً وخَيالاً لا حَقيقَةً ، وأنَّها كانتْ مُجَرَّدِ أُمْنِياتٍ ، عاشَ معَها بعدَ حُصولِهِ علَى جائزَةِ أَحْسَنِ لاعِبٍ وأَحْسِنِ هِدَّافٍ في دورةِ كُرَةِ القَدَمِ التي أُقيمَتْ بينَ طُلَّابِ مَدْرَسَتِهِ ، وحينَ كانَ يَسْتَعِدُ فَريقُهُ لِلصُّعودِ إلَي دَوْري المَدارِسِ ، وكانِ يَتَمَنَّي أنْ يَحْصُلَ فَريقُهُ علَي المَرْكَزِ الأَوَّلِ في دَوْري المَدارسِ .

  تَجاهَلَ ماهِرُ هَذِه الأَحْلامَ وقالَ : الأَفْضَلُ أنْ أَعْتَمِدَ علَى قُدُراتي وجُهْدِي ، 

وبِالفِعْلِ اجْتَهَدَ ماهِرُ هُوَ وفَريقُهُ .وحَقَّقوا المَرْكَزَ الأَوَّلَ في دَوْري المَدارِسِ ، وحَصَلوا علَى الكَأْسِ بِجَدَارَةٍ وَتفَوُّقٍ , ولَكِنَّ ذَلكَ كانَ بِسَبَبِ جُهْدِهِمْ وَمَهارتِهِمْ.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

7051
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.