سيكولوچية الجماهير
أكثر صناعة يجيدها عموم الغوغاء هي صناعة الآلهة، يموت الواحد منهم، يُصنع جديد خلال شهور قليلة وتبدأ مناسك التضرع والعبادة، لا إله إلا الإله الجديد، وكل قديم أو ميت هو مسخ انتفى عنه مقام التسبيح بحمده، والتضرع له بات عديم الفائدة، والغوغاء لا تعبد الآلهة للحب، بل برجماتية الفرد هي المتحكمة، فإياك ومحاولة التنظير وإنارة الطريق للعامة، يخذلوك دائما مهما كلفك الأمر، تتلاشى أنت وملايين النسخ والأصول منك ويبقى الإله الجديد في الذاكرة، ولا تفسير لذلك أبداً مهما حاولت، هكذا يشهد التاريخ.
يرى الطبيب والمؤلف الفرنسي "جوستاف لوبون" الفرق في السلوك بين الفرد والجمهور، أن العقل ينتهي عند الفرد، بمجرد انخراط الفرد في الجمهور يتحول إلى كتلة هائجة عاطفياً يصعب السيطرة عليه بالعقل، وتتلاشى صفاته الشخصية، وتسيطر عليه العاطفة والتأثر بالشعارات الرنانة، أو كما يقول "سارتر" .. الغوغاء هم وقود الحضارة .
المُركب الكيميائي مثلا له صفات وخصائص يتميز بها، لكنه عندما يختلط بمُركبات كيميائية أخرى يكتسب صفات وخصائص مختلفة قد تمحو تماماً خصائصة الأصلية .
ويقع الجمهور تحت هذه الظاهرة، فريسة سهلة للديماغوجي، وهو القائد أو الرئيس الذي يسيطر على الجماهير بالعاطفة، والأمثلة على ذلك كثيرة .. يمكنك مراجعة خطابات هتلر وموسوليني مثلا أثناء الحرب العالمية الثانية وكيف كانت خطاباتهم عاطفية تخاطب العاطفة والعقل الجمعي للجمهور لدفعه نحو إتجاه معين، نتج عنه موت 50 مليون شخص معظمهم من المدنيين، ناهيك عن الخراب الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الذي حل بهذه المجتمعات الجماهيرية.
الجمهور هو أدنى مرتبة من الإنسان المُفْرَد فيما يخص الناحية العقلية والفكرية،حيث تلاشي الشخصية الواعية، وتنتشر العدوى للعواطف والأفكار، والـمَيْل لتحويل الأفكار المـُحرَّض عليها إلى فعل وممارسة مباشرة، وهكذا لا يعود الفرد هو نفسه.
الجمهور غير قادر على الاحتكام للعقل ومحروم من كل روح نَقْديّة؛ ولذلك فإنَّه يُبدِي سرعة تصديق منقطعة النظير .
يتجلى ذلك الأمر في بعض الأمثلة اليومية التى توضح سيكولوجية الجمهور وتأثره بما حوله دون أدنى محاولة نقدية لأفعاله ..
فإذا صعد بائع متجول عربة مترو مثلا أو حافلة نقل عام لبيع سلعة ما، فإن الجميع ينتظر حتى يبدأ شخص أو إثنان أو ثلاثة بالشراء، ثم تجد الجميع يبادر بالشراء بطريقة جماعية .. كذلك الجمهور يندفع نحو البائع المُحاط بعدد كبير من الجمهور وإن كان بجواره بائع يبيع نفس السلعة بنفس الجودة ونفس السعر، لكن لا يلتف حوله أحد من الجمهور !
يتوقف العقل عند الفرد ويصبح عاطفة خوفاً من نقد الجمهور لتصبح الرغبة الداخلية له هي، أن السير مع القطيع أكثر أماناً حتى وإن كان القطيع يسير في الاتجاه الخاطئ .
يظهر ذلك في كل تجمع يسيطر عليه العقل الجمعي للجماهير مثل الثورات وجماهير كرة القدم والجيوش والتجمعات الانتخابية وساحات الحفلات وغيرها، التى ينتهى فيها العقل عند الفرد ليتحول إلى نسخة مكررة من الجمهور العاطفي اللاواعي عقلياً .
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك