عندما يحكي الإله
هذه قصة يرويها الإله بذاته، ترك تصميم الغلاف حرية مكفولة لخيال كل قارئ كيفما شاء.. عدد كلماتها 1795 كلمة، وبذلك فهي أقصر قصة طويلة على الإطلاق، قد يُكتب عنها مجلدات لا حصر لها تاريخياً وجغرافياً ودرامياً، وعنوان القصة "يوسف"!
أعظم القصص -كما أرى- هي التي تنتهي بما بدأت به، أو بالتذكير ببداية الأحداث لتعود بالقارئ لنقطة البداية، وفي ذلك سحرٌ لو تعلمون عظيم: «هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ».
وكانت رؤيا بطل القصة هي ملخص القصة الحقيقي ومفتاح الأحداث: «يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ».
أول الرواية مكيدة الإخوة، وما أهول المكائد إن كانت من نفس الدم! أفجر الخلاف هو الواقع بين الإخوة؛ فالغيرة والحب مثيرات النفوس المضطربة. أول قتل وقع كان بين أخوين [ابني آدم]، وأعظم ما كتب الرواة ما كان بين إخوة مثل [الإخوة كارامازوف] لـ "دوستويفسكي"، أو كما أصبحت بالمصرية [الإخوة الأعداء]؛ فليس الإخوة دائماً كما تظن يا صديقي.
ما أعظم الحبكات وما أكثرها في قصة يرويها الإله! تصاعد للأحداث بين شد وجذب، وبين صراع وخوف وترقب وهدوء وانزعاج؛ تعاملت القصة مع كل جوانب النفس البشرية، ورسمت صوراً عميقة في أدغال الخيال من خلال جُمل قصيرة وكلمات موجزة.
تعاطفنا مع الذئب للمرة الأولى، وإن كان وجوده في القصة من الأساس محض كذب ليس إلا، لكن تخيل وجوده كان ضرورة في عقل من أضمروا العداء، وكذبة مناسبة لأجواء بيئة الأحداث.
قفزت بنا الأحداث سريعاً زماناً ومكاناً، حيث نقطة تحول جديدة في حياة البطل، ومشهد رئيسي جديد من أحداث رواية الواقع المؤلم. هذا رجل أوتي شطر الحُسن، فلماذا لا يتعاطف أحدنا مع "زليخة" ونحن نُفتن في عموم الجمال وما قلّ منه، ولو رأيناه قليلاً!
«وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ...» هذه عبارة مختصرة لمشهد لا يستطيع أن يكتبه أعظم كُتّاب العالم والنحاة مجتمعين.
كانت المرأة قادرة على الدفاع عن نفسها البشرية بما آتاها الله من ذكاء، وبما اقتضته مسيرة الأحداث كما خطط لها الراوي سبحانه.. بعد أن أقسمت النسوة على عدم بشريته وأنه ملك لا محالة وقطعن أيديهن، أعلنت "زليخة" بما لا يدع مجالاً للعتاب واللوم أنها البادئة، وزادت الطين بلة!
هذه رؤية جديدة للملك بين عباقرة الأرض والمعمار والسحر والكهنوت والفلك، لكن للأحلام حكايات مع "يوسف" نسجت كل خيوط قصته بداية ووسطاً ونهاية. أحلامٌ في سجون مصر القديمة قد تفرج عنك كرباً عظيماً يا صديقي.. فتخرج من الضيق إلى البراح، وتُعلن براءتك على رؤوس الأشهاد لتبدأ بنفسك رسم مشاهد النهاية كيف تشاء.
هذه خزائن الأرض، ومن رماك في غيابات الجُب لم يغادر إلى الفضاء.. الأيام دول، والعمر قصير، والأرض ذرة تسبح في الكون.
كان الانتقام كفيلاً أن ينسف القصة لو حدث، لكنها تُوّجت بالعفو والسماح بعد حيلة جاءت بالجميع ليصبح الحلم واقعاً يُعاش.. بين كيل وصواع ونكران، ودخول من أبواب متفرقة، وسقاية وعير وبعير، وسرقة وإسرار في النفس، وقميص يحمل رائحة الزمان، وبياض عين أصابها الحزن فذهب عنها النور.. عادت بنا الأحداث نحو مكان البداية.
هذه قصة في التقوى والصبر، يرويها من يجب أن نتقيه ونصبر على ابتلائه، فيجعل الله ما تراه حقاً.. تخرج من السجن وتسجد لك الكواكب والشمس والقمر، ويُصاب قلبك بالحكمة والرحمة، وليس هذا افتراء حديث.. بل قصة يرويها الإله.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك