(ثورة، جمهورية)
كان الكوخُ يتنفّس.
لا أعرف كيف أقول هذا بطريقة أخرى: كان يتنفّس فعلاً، كالصدر المثقل بماء دجلة والبردي، تتنازعه رئتان من قصب، وينام على جنبه خفيفاً كريشة طير لا يعرف لأيّ سماء ينتمي.
وعليٌّ - وكان اسمه عليّاً كما يُسمَّى الأبناء في هذه البلاد حين يُولد الأمل مرةً أخرى بعد كل هزيمة - كان يسكن داخل هذا التنفّس. أبوه سقط من "سِكَلّة" البناء مرةً واحدةً لكنّه ظلّ يسقط في كلّ لحظة لاحقة حتى حُبس بين القصب معاقاً جائعاً رضوخاً لقول السلطة:
- من لا ينتج، لا يأكل!
وأمّه تحمل مرضها كما تحمل المرأة ثوبها عرسها؛ بعناية وخجل، حتى لا تبدو أكثر هشاشةً مما هي عليه بالفعل.
وأنا الذي أحدّثكم عن كلّ هذا - أنا حسام - لا أزال أشك في أنني كنت طفلاً أصلاً. ربما كنتُ فكرةً لم تكتمل في ذهن المدينة، أو صوتاً التقطه الجرف قبل أن يبتلعه النهر.
ثمةَ صباح - وهنا يبدأ تيار الأشياء - صباحٌ بلون دخان سجائر سومر، حين سألته: لماذا تُهمل دروسك، درجاتك ركام؟
أجابني بلا مقدمات، كمن طالَ انتظاره لهذا السؤال:
- هل نسيت؟ عملي في شارع التربية. بيع الجرائد. جمهورية. ثورة. ألف باء. الوطن العربي.
وراح يغرد بصوته الطفولي الناعم منادياً بأسماء ما كان يبيعه من صحف ومجلات.
فعلاً... كنتُ قد رأيتُه مرة في شارع التربية - أو ربما تخيّلتُ أنني رأيتُه، إذ كثيراً ما تتشابك الرؤية والتخيّل في مدن تعيش تحت ثقل تاريخٍ لا يهضمه أحد - يُهتف بصوت يتفتّت كورق الجرائد في المطر: جرائد، مجلات، الثورة، الجمهورية، ألف باء، الوطن العربي. حتى اختفت جميع حروف الوطن الأصلية.
- عند عودتي أرمي نفسي وسط الصريفة شبه ميت، بعد أن أعدَّ الدراهم في يد أمّي.
قلتُ له، وأنا أتظاهر بحكمة لا تناسب سنّي:
- العمل ليس عذراً يا علي. كثير من التلاميذ...
قاطعني بصمت أشد إيجاعاً من أيّ كلام. ثم قال ببرودة الأرض التي تلسع جلودهم في الشتاء:
- أبوك رجل ميسور. وبيتنا صريفة تتعرّض كل يوم لحريق يأكل جزءاً منها، أو لحماقة الطبيعة فتجرفها فنعيد بناءها من جديد. نحن لا نبني بيتاً يا صديقي. نحن نمارس التعافي بشكل يومي.
تجادلنا كثيراً وتناولنا الأمر بعقل أكبر من أعمارنا - وهذه طبيعة أبناء الفقر، يكبرون من الداخل قبل الخارج - ثم قلتُ له:
- هل تقبل التحدّي؟
- أيُّ تحدٍّ؟
- أن تصحبني معك غداً لبيع الصحف والمجلات. ونرى لمن الغلبة.
ابتسم بطريقة علي المعهودة - تلك الابتسامة التي كأنّها استعارة من نهر يعرف أنه ذاهب للبحر، لكنه يسير ببطء لأنه يحبّ ما يمرّ به.
- وفي الامتحان يُكرم المرء أو يُهان، كما يقول أستاذ رزاق مدرس اللغة العربية.
وعندما رنّ جرس الانصراف بيد فرّاش المدرسة - ذلك الجرس الذي يبدو دائماً وكأنه يُعلن شيئاً أكبر من انتهاء الحصة - خرجنا متعانقين ومجموعة من الطلاب ترمقنا بحسد، وغنّينا معاً كما اعتدنا:
"نحب لو ما نحب، يبو گلب الرحب."
أغمزُ له بعيني فيجيبني مبتسماً:
"الهوى من يخطي العيون يتلگاه الگلب."
نتكاتف ونحن نردد" "للا، للا، للا، للا" - وكأن هذه الـ "للا" المغنّاة هي تأبيننا لأشياء لا نعرف بعدُ أنها ستُؤبَّن.
استيقظتُ في اليوم التالي بنشاط جندي يذهب إلى معركة يختارها لا يُساق إليها. ذهبنا إلى شارع التربية؛ إلى المكتبة العصرية وصاحبها "حيدر" الذي أعطانا الجرائد على طريقة التصريف: ثورة وجمهورية ووطن عربي وكل العرب، مقابل هامش ربح يليق بطفلين يؤدّيان مهمةً يعتقدان أنها مجرد لعبة، وما يفضل من الصحف والمجلات نُعيده للمكتبة قبل الظهيرة.
وقفتُ قبالة مصرف الرافدين في السوق الكبير. صوتي كان جهورياً بشكل مذهل لطفل بعمري - صوت كأنه اعتمد على أرض صلبة أكثر منه على حنجرة - ومن خلال هذا الصوت ولجتُ الحياة من أوسع أبوابه:
- جمهورية! ثورة! آخر جريدتين.. عجّل يا مثقف قبل النفاذ!
أفندي في بدلة أنيقة - والمعلمون في تلك الأيام كانوا يتصفّون بالأناقة كما لو أن المعرفة تستوجب الاهتمامَ بالمظهر - ابتسم بوجهي وقال:
- كذّاب. لا يزال لديك الكثير من الجرائد.
- يعني؟
- سأشتري منك جريدتين أيّها المشاغب.
أعطيتُه جريدتي الثورة والجمهورية. تأبّطهما مبتسماً وغادرني مزهوّاً كطاووس، مشى مُركِّزاً عينيه كمخلب صقرٍ في ثنايا الصفحة الأولى. وبفضول كبير رفعتُ جريدة الثورة من الأرض متطلّعاً إلى حروفها الصغيرة كمن يقرأ طالعه:
"رئيس الجمهورية والقائد العام للقوات المسلحة يهنئ الإمام الخميني لإعلانه الثورة المباركة في إيران."
وتحت الخبر صورة للخميني وهو يُحيّي الجماهير في مطار طهران، بعد نزوله من الطائرة الفرنسية التي أقلّته من باريس. فكّرتُ - وأنا طفل يقف وسط أكداس الأخبار - كيف تبدو ثورة في صورة؟ كيف تُطبع؟ كيف تُباع بخمسة وعشرين فلساً على رصيف مصرف؟
ثم جاء صاحب الشوارب. المعقوفة كهلال.
شوارب كثّة تهدّلت على شفتيه وأخذت منحدراً على جانبي فمه الأزرق الذي صبغته سجائر سومر - الفم الذي لا يبدو أنه اعتاد الابتسام بل اعتاد الأوامر.
- الثورة.
- ومعها الجمهورية أيضاً؟
قلتُها بابتسامة خبيثة تليق بتاجر صغير.
- لا.
- أستاذ، الثورة رخيصة والجمهورية رخيصة أيضاً.
اهتزّ شاربُه بعنف. وحدّق بي بنظرة طالت حتى كدتُ أفعلها على نفسي.
- والله، لولا عمرك الصغير لجعلتُ الثورة والجمهورية كفناً لك. ابن القحبة.
أخذ الجريدة دون أن يدفع. وأردتُ أن أركض خلفه لكنّ شواربه المهتزّة شلّت حركتي - إذ تعلّم الأطفال في تلك البلاد مبكراً أن ثمة شوارب لا يُعترض عليها.
جلستُ قبالة الصحف أتحسّر على خمسة وعشرين فلساً، غير أن موظفي المصرف تسرّبوا مع انتهاء دوامهم، وراح جيبي ينتفخ بالعملة المعدنية وأنا أواصل النداء: جمهورية، ثورة، ألف باء.
تحقّقت معجزة صغيرة: بعتُ كل شيء. وعندما عُدنا إلى حيدر ومكتبته فغر فمه دهشةً، فكافأني بخمسة وعشرين فلساً زيادة - وهو بالضبط ما اغتصبه منّي صاحب الشوارب المعقوفة. كأن الكون يُسوّي حساباته بطريقته الخاصة.
وفي الطريق إلى المنطقة، جلسنا على مقدّمة معدنية لأحد المحال، ملتقطَين الأنفاس. أخرج عليٌّ كيسَه الفقير من النقود بيد عاجزة:
- لم أحصل إلا على هذه التفاليس. وهذا ما لا يروق لوالديَّ
أمسكتُ بالكيس قبل أن يُفرغه:
- سأخرج ما بجيبي ولتُخرج ما بكيسك إخراج رجل واحد.
ضحك علي لأنني ذكّرته بفيلم الرسالة لحظة اتفاق رجال قريش على تصفية النبي محمد بضربة رجل واحد. ضحكنا ثم ضحكنا حتى استلقينا على "الكبنك" المقدمة المعدنية للمحل.
أفرغتُ جيبي وأفرغ كيسه. كومة معدنية عَلَت كجبل صغير يسرّ الناظرين.
- أتعرف يا صديقي؟ قد حصلتَ أنت على ما أشتغله في أربعة أيام متتالية.
قلتُ له: اذهب هناك وراقب الطريق. ثم دسستُ كلّ القطع المعدنية في كيسه، وأبقيتُ قطعتين لي لهما خرخشة في جيبي، والتقطتُ من الأرض بعض الحصى ونفختُ به الجيب حتى أصبح القلق أكثر إقناعاً. ثم ناديتُه:
- خذ يا علي، هذه حصّتك.
- ولكن هذا كثير.
- خذ. أبوك ينتظرك. وإخوتك مصارين بطنهم تغرد كالعصافير الآن.
تحوّلت عينا عليٍّ إلى قطعة دم وأجهش بالبكاء. التقطتُ كفّه الأيمن، وضعتُ الكيس فيها، وكوّرتُ أصابعه بقبضة ملاكم.
- والآن حان موعد ذهابنا كل إلى بيته.
- والرهان؟
- أنا عند رهاني.
كان رهاننا أنني حتى لو عملت معه في بيع الصحف سأنال درجات عالية في دروسي. مرّت أيام الدراسة سريعاً ونجحنا ونسينا الرهان وانتقل عليٌّ إلى منطقة أخرى بعيدة جداً منعت تواصلي معه مما قرّح فؤادي وقتل ذكرياتي بسكين صدئة - والسبب أصحاب الشوارب المعقوفة - لأن الشوارب المعقوفة هي من تُشكّل تاريخنا لا العقول - أزالوا بيتَه - عفواً كوخه - عفواً صريفته - سقفاً من قصب كان يقيهم بعض الشيء من شمس لاهبة وأمطار غزيرة لا ترحم - وأمروهم بالمغادرة فوراً، وبنوا على أنقاضهم فرقةً حزبية أكلت كثيراً من جرف الحياة لأبناء المدينة وحرمتني من صديق طفولة يتهادى في مشيته كنهر دجلة حين ينحدر صوب البصرة وهو يعلم أن موته في متاهات البحر ماءً مالحاً.
وأنا طوال تسع سنوات أجدّد خساراتي بفقدان صديق بموت عادي أو موت في جبهات القتال الطاحنة للإنسانية ومع كل صرخة حزن أطلقها جزعاً على من فجعتُ بهم من الأصدقاء أُغلّفها بلعن صدام والخميني حتى أصبح اللعن ثقافةً لي ووطناً بديلاً واعترافاً دينياً خاصاً وصلاةً يومية لا أتأخّر عنها.
انتهت الحرب.
أعلنها صدام بياناً للبيانات بلكنة الانهزامات. وأعلنها الخميني متجرّعاً السمّ الزعاف لنهايتها القسرية. وما بين إعلان هذا وبيان ذاك استبدَّ العوق في أرواح المواطنين، وفاحت رائحة عفن زوجة الشهيد، وانتشر الأيتام تحت إمرة القوّاد والميكانيكي والسائق وما تفتّق عنهم من مهن تنشر الإذلال والتصاغر والانحراف.
استيقظتُ صباحاً على عجل. توجّهتُ إلى السوق لشراء جريدة الجمهورية أو الثورة، للحصول على معلومات أكبر لنهاية الحرب. وفي طريقي ناحية مكتبة حيدر، عند نفس الموضع الذي خضتُ فيه تجربتي الوحيدة ببيع الجرائد - عند ذلك الموضع الذي لا يزال يحتفظ بصوتي في ذاكرة الإسفلت - سمعتُ:
- ثورة! جمهورية! آخر جريدتين! عجّل يا مثقف! الحگ يا متعلم!
صوت مألوف كأنه اختُرع مرة واحدة ثم نُسخ. كلمات من تأليفي بنفَس لم أعرفه. صبيٌّ بعمر الثامنة يقف حيث وقفتُ أنا بالضبط، كما لو أن المكان يعيد إنتاج نفسه بشخوص مختلفة وحزن واحد.
اقتربتُ منه وأنا أشبه بطائر يطير بلا جناحين، إنما هواجسُه هي من تطير به:
- أعطني الجمهورية.
- ومعها الثورة؟ الجمهورية رخيصة، والثورة هم رخيصة!
صعقتني كلماته. تلفّتُّ حولي بعينين من وجل - إذ تعلّمنا أن الرخص خطر، أن الحقيقة خطر، أن الطفولة التي لا تُحكِم صمتها خطر.
- إيّاك أن تكرّر ما قلته لأحد آخر. أفهمت. ما اسمك؟
تردّد في الجواب:
- حسام...
أول الغيث قطر. اسمه يواطئ اسمي. شعرتُ براحة غريبة وأنا أنظر إلى عينيه العسليّتين - عينان كأنهما وُلدتا لتقرآ ما بين السطور لا ما فوقها.
- أتعرف يا ولد، اسمي حسام أيضاً.
استبشر حسام الصغير وتهلّلت أساريره ثم قال ببراءة من لا يعرف ثقل ما يقوله:
- كان أخي يحدّثني عن صديق له اسمه حسام. كان يحبّه جداً.
ثم توقّف وهمس بصوت واطئ يكاد لا يُسمع:
- طردنا الحزب من صريفتنا.
- وما اسم أخيك؟
- عليّ...
تطوّحتُ قليلاً لسماع الاسم.
كأن الولد قد أمسك بسوط من مسامير فأثخنني بالجراح، وراح يجرّني في أزقة المدينة زقاقاً بعد زقاق، عبر كلّ الصرائف التي أُحرقت والأحلام التي جُرفت وأرصفة شارع التربية التي التهمت أصوات أطفال لم يكن لهم حقٌّ في أن يكونوا أطفالاً، حتى عاد بي إلى موضعه أمام الجرائد.
استعدتُ بعض توازني بعد أن سلّم عليَّ أحدهم:
- العب بيها! انتهت الحرب!
وهو لا يعلم أن ثمة قوةً قهريةً تحفّز هرمونات خاصة لعجن أرواحنا في حنين مُفرط لتذوّق طعم الحروب التي نهشت أهلينا، فبات الفضول يتقمّص تطلعاتنا لاستشعار معنى الحرب - كأننا نريد أن نفهم: كيف تم بيعنا؟ وبأيّ ثمن؟
- وين هو علي هسّه؟ بيا منطقة؟ شْخَلّص من دراسة؟ أريدك أن تأخذني له.
- وين آخذك؟ للنجف؟
هنا دقّ أحدهم مسماراً في قدمي اليمنى، وألفاً في اليسرى، وفقأ الآخر عينيَّ، وانتزع قلبي ثالث وهو يفري أنسجته بشغب مجنون.
- ليش؟
فرّت من عين حسام الصغير دمعة تدحرجت ككرة بقفزات متعدّدة، ذكّرتني بدمعة عليٍّ لحظة اقتسام ما حصلنا عليه من بيع الصحف في يوم يطرق بشدة على ذاكرة نديّة لا تُنسى.
أحسستُ بحرارتها وهي تنطّ على وجنته الملوّحة بشمس خائنة.
- استُشهد قبل أسبوع. والبارحة ختموا العزاء.
- يا إلهي!!! استشهد قبل نهاية الحرب بأسبوع؟
كلّ شيء فيَّ مخدَّر إلا بقايا مجد زائف. أرى الكون بعين مثكول يمشي على عكّازتين أكلتهما الأرضة حتى سقط فسقط كلّ شيء معه.
- عمّو، منو أنت؟
سألني بفضول بريء. أخرجتُ ما في جيبي من نقود بيد مرتبكة ترتعش كسعفة نخيل في يوم عاصف. سقطت قطعتان على كومة الجرائد. أشرتُ له بفتح يديه. ووضعتُ حفنة النقود في يده والتقطتُ القطعتين.
- هذه حصّتك. وهذه حصّتي.
- أستاذ، منو أنت؟
- سنلتقي هنا أليس كذلك؟
- منو أنت؟
- ستعرفني عندما تزور أخاك عليّاً. وهو من سيخبرك.
قلبتُ القطعتين النقديّتين في يدي، دسستُهما في جيبي مبتعداً وأنا أمسح دمعي بظاهر كمّي كالأطفال - لأنني في تلك اللحظة أدركتُ أنني كنتُ طفلاً دائماً ولم أكن شيئاً آخر قطّ - مردّداً دون كتف يلامس كتفي، كما هي عادتي بالسير بصحبة عليٍّ في كلّ الأوقات التي مضت وكلّ الأوقات التي لن تأتي:
نحب لو ما نحب، يبو گلب الرحب. الهوى من يخطي العيون يتلگاه الگلب. للا. للا. للا. للا.
وظلّت الجرائد مطويّة على أخبارها، والثورة تُباع بخمسة وعشرين فلساً، والجمهورية أيضاً، رخيصة جداً، جداً... أليس كذلك؟.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك