لماذا يغذي الإعلام غريزة الخوف؟!
كتاب "Factfulness": كشف الغرائز التي تعمي البصيرة وتشعل الفوضى العالميةفي عالم يغرق في بحر من الأخبار المضللة والخطابات السياسية الحماسية.
يُعدكتاب "Factfulness: Ten Reasons We're Wrong About the World – and Why Things Are Better Than You Think" لهانس روسلينج، الطبيب والإحصائي السويدي الراحل، بمثابة دليل علمي يُعيد تشكيل إدراكنا للواقع.
يكشف روسلينج عن عشر غرائز فطرية تُصرف تفكيرنا عن الحقائق، مُوظفة ببراعة من قبل الإعلام لجذب الانتباه عبر العناوين الصادمة، و ويتبنى السياسيون هذه الغرائز لصناعة أعداء وهميين، ويعتمد عليها المثقفون لتعزيز رواياتهم الذاتية.

هذه الغرائز تخلق حالة من الالتباس الجماعي، حيث يتخبط الناس في تبني آراء خاطئة، مُفضلين الدراما على البيانات.
دعونا نستعرض أبرزها، مع أدلة علمية تُثبت خطورتها:
غريزة السلبية (The Negativity Instinct):
يميل الدماغ البشري إلى التركيز على الأخبار السيئة، مما يرسم صورة كئيبة عن العالم كأنه على وشك الانهيار. لكن روسلينج يُذكّر بأن مستوى الفقر في العالم انخفض بنسبة 75% منذ عام 1800، وأعداد المتضررين من الحروب والمجاعات تتراجع بشكل لافت.
والإعلام بدوره يُغذي هذه الغريزة بعناوين مثل "الكارثة قادمة"، بينما تُظهر الإحصائيات تقدماً هائلاً في الصحة والتعليم.
غريزة الخوف (The Fear Instinct):
تُحرّك السياسات الاستبدادية، الاستعمار التاريخي، والإعلام الرقمي – خاصة وسائل التواصل الاجتماعي – غريزة الخوف الفطرية، مُضخمة المخاطر الاستثنائية مثل الإرهاب والأوبئة.
يقارن روسلينج ذلك بـ"الخوف من البرق المصاحب للعاصفة": نادر الحدوث، لكنه يسيطر على تفكيرنا.
في الواقع، احتمالية مقتل شخص في حادث طائرة أقل بـ100 مرة من حادث سيارة، لكن الخوف يدفعنا لقرارات غير عقلانية.
غريزة التعميم (The Generalization Instinct):
نُعمّم تجاربنا الشخصية على العالم بأسره، مُفسّرين كل فشل فردي كدليل على انهيار عام، مما يولّد قلقاً مفرطاً.
روسلينج يُحذّر من "الخطأ الإحصائي" هنا: مثل افتراض أن مشكلة في قرية واحدة تمثل بلداً بأكمله.
يتم استغلال هذا الحدث المحدود في الدعاية، حيث يُعمّم السياسيون حالة فردية ليُروّجوا لأجنداتهم السياسية.
غريزة اللوم (The Blame Instinct):
نفضل تبسيط التعقيدات بإلقاء اللوم على "بطل" أو "عدو" واحد، متجاهلين الشبكة المعقدة من العوامل الاجتماعية، الاقتصادية، والسياسية.
روسلينج يسلط الضوء على أن التغييرات الكبرى ناتجة عن "جداول صغيرة" تتراكم كالأنهار، لا عن سلوك أفراد.
وأورد مثالا: ليس هتلر وحده مسؤولاً عن الحرب العالمية الثانية، بل سلسلة من الظروف الاقتصادية والقومية.
هذه الغريزة تُغذي الاستقطاب السياسي اليومي.
يُختتم روسلينج كتابه بدعوة لـ"قاعدة الإصبع" البسيطة: التي تقوم على مقارنة الحقائق بالمتوسط العالمي قبل الحكم، واستخدم البيانات من مصادر موثوقة مثل منظمة الصحة العالمية أو البنكالدولي. بهذا، يمكننا مواجهة هذه الغرائز وصناعة عالم أكثر توازناً.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك