من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

ياسر صادق…رجلٌ سجد في محراب الفن، وتطهَّر في حضرة السيدة

سامية سيد
ياسر صادق…رجلٌ سجد في محراب الفن، وتطهَّر في حضرة السيدة


سيرة فنان آمن بأن الفن رسالة وعاش خادمًا للإنسان قبل الخشبة


حين يرحل فنان بحجم وقيمة ياسر صادق، لا يكون الغياب مجرد خبر عابر في شريط الثقافة، بل لحظة تأمل طويلة في سيرة رجل جمع بين الإبداع والإدارة، بين الفكر والروح، بين الصرامة المهنية والحنان الإنساني. كان من هؤلاء الذين لا يمرون مرورًا خفيفًا، بل يتركون أثرًا واضحًا في الذاكرة، وفي وجدان كل من عمل معهم أو تعلم على أيديهم أو اقترب من إنسانيته.

في أيامه الأخيرة، تحولت الغرفة التي أقام فيها بالمستشفى إلى مساحة ممتلئة بالمحبة قبل أن تكون مكانًا للعلاج. توافد الأحباب والأصدقاء والزملاء لزيارته، لا يحملون سوى الدعاء الصادق والقلق النبيل على رجل أحبهم وأحبوه. لم تكن الزيارات رسمية، بل كانت امتدادًا لعلاقة إنسانية طويلة صنعها بنفسه دون تكلف. جلسوا بالقرب منه، يتحدثون بهدوء، يقرأ بعضهم آياتٍ أو أدعية، ويتبادلون الأمل في أن يتجاوز المحنة. كان المرض قاسيًا، لكنه واجهه بصبر المؤمن، وقلبٍ لم يعرف التذمر.


عانى طويلًا في صمت، متحملًا آلام الجسد بثبات الروح. لم يشأ أن يشغل الناس بوجعه، وكان إذا سُئل عن حاله ابتسم مطمئنًا من حوله أكثر مما يطمئنهم. المرض كشف معدن الرجل؛ صلابة لا تخلو من رقة، ورضا لا يخلو من أمل.

البدايات…

 شغف مبكر وطريق اختاره بوعي

بدأت علاقة ياسر صادق بالمسرح منذ سنوات الدراسة الأولى، حين اكتشف أن الخشبة ليست نشاطًا عابرًا، بل عالم كامل يمكن للإنسان أن يعبر فيه عن نفسه وعن المجتمع. في جامعة القاهرة برز اسمه ممثلًا ومخرجًا، وحصل على جائزة ممثل أول الجامعات المصرية في منتصف الثمانينيات، وهي الجائزة التي ظل يعتز بها لأنها جاءت نتيجة جهد حقيقي لا مجاملة فيه.

لم يكن يرضى أن يكون الفن موهبة فقط، بل أراد أن يكون مشروعًا معرفيًا. لذلك التحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية بقسم التمثيل والإخراج، مؤمنًا بأن الموهبة تحتاج إلى العلم لتكتمل، وأن الفنان الحقيقي هو من يجمع بين الحس والوعي.


ظل التمثيل عشقه الأول حتى في سنوات الإدارة. كان يرى أن المسؤولية الإدارية لا تعني الابتعاد عن الفن، بل تعني خدمته من زاوية أخرى، شرط أن يظل الضمير الإنساني حاضرًا في القرار.

رؤية فكرية… المسرح قرين الحرية

كان يؤمن أن المسرح المصري قادر على التجدد لأن المجتمع المصري نفسه غني بالتنوع والإبداع. لكنه كان يكرر أن الأزمة ليست في نقص الموهبة، فمصر في نظره بلد قادر دائمًا على إنجاب المبدعين، بل في غياب رؤية استراتيجية تدعم الحرية الفنية وتفتح المجال أمام التعبير الخلاق.

كان يرى أن المسرح لا يعيش في بيئة الخوف، وأن الإبداع يحتاج إلى فضاء رحب من الحوار. لذلك أكد دائمًا أن المسرح قرين الحرية، وأن ازدهار الفن يرتبط بقدرة المجتمع على احترام الاختلاف وتقبل التجريب.

كما انتقد فكرة النجم الأوحد داخل العرض المسرحي، مؤكدًا أن العمل المسرحي الحقيقي هو نتاج روح جماعية. فالمخرج في رؤيته ليس مجرد منظم للحركة، بل هو المؤلف البصري والروحي للعرض. وفي الوقت نفسه كان يرى أن النقد الفني الجاد هو الضمانة الحقيقية لاستقامة المشهد الثقافي، لأن النقد الواعي يعيد التوازن بين الإبداع والتلقي.

في موقع المسؤولية… حارس الفن

حين تولى رئاسة المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، تعامل مع المنصب باعتباره تكليفًا ثقيلًا لا امتيازًا شخصيًا. كان يدرك أن المؤسسة الثقافية ليست مبنى إداريًا فقط، بل ذاكرة وطن تمتد عبر الزمن.

ركز على مشروع التوثيق باعتباره أحد أهم مشروعاته الفكرية. فأعاد إحياء النشر بعد توقف سنوات، واستكمل توثيق تاريخ المسرح المصري منذ أواخر القرن التاسع عشر، وطوّر وحدات التسجيل والأرشفة الرقمية حتى لا تضيع التجارب الإبداعية مع الزمن.

وكان يحلم بأن يتحول المركز إلى مؤسسة ثقافية حديثة تمتلك مكتبة رقمية وقناة إلكترونية تتيح الوصول إلى التراث المسرحي بسهولة. كما سعى إلى تطوير متحف رواد الفن ليكون مساحة حية تحفظ مقتنيات الكبار وتعرضها بصورة تليق بتاريخهم الفني والإنساني.

الفن قيمة روحية

لم يكن اهتمامه مقتصرًا على الأعمال التجارية أو الجماهيرية فقط، بل كان يميل إلى الأعمال ذات البعد الفكري والروحي. لذلك دعم عروضًا مثل “الدر المكنون” و“الليالي المحمدية”، واعتبرها جزءًا مما سماه “زكاة فني”.

كان يرى أن الفن يمكن أن يكون طريقًا إلى التنوير دون صخب، وأن الجمال قد يكون أعمق تأثيرًا من الخطاب المباشر. فالفن في تصوره ليس مجرد ترفيه، بل وسيلة لبناء الإنسان وتهذيب وجدانه.

قلبه عند آل البيت… البيت الزينبي سكينة الروح

ارتبط وجدانيًا ب آل البيت، خاصة علاقته الروحية العميقة بمنطقة السيدة زينب، حيث وجد في البيت الزينبي سكينة خاصة لا تشبه سواها. لم يكن حضوره هناك عابرًا أو موسميًا، بل كان التزامًا روحيًا ثابتًا.

اعتاد أن يحرص على حضور الحضرة الأسبوعية كل يوم ثلاثاء في البيت الزينبي، يجلس في هدوء بين المريدين والمحبين، مندمجًا في الذكر والإنشاد، باحثًا عن صفاء داخلي يعينه على صخب الحياة وضغوطها. هناك لم يكن مسؤولًا ولا فنانًا معروفًا، بل كان إنسانًا بسيطًا يطلب السكينة.

ومن خلال هذا الارتباط، شارك في أعمال خيرية عديدة، دعمًا لأسر محتاجة، ومساهمة في موائد وإعانات كانت تُقدَّم في الخفاء. لم يكن يحب أن يُذكر اسمه في عمل خير، بل كان يردد أن الخير الحقيقي هو ما يُفعل لوجه الله دون ضجيج.

حتى في حياته الخاصة، انعكس هذا الحب في اختياراته؛ فقد أطلق على ابنته اسم “زينب”، تيمنًا بالسيدة الطاهرة، وكأن الاسم كان وعدًا بالبركة وحفظًا للبيت. كان يتحدث عنها بفخر بالغ، ويرى فيها امتدادًا روحيًا لمعنى يحمله في قلبه.

الأسرة… سند الحياة في لحظات الألم

ظل ارتباطه بأسرته أحد أهم ملامح حياته الخاصة. خلال فترة مرضه، كانت أخته وزوجها وابنها إلى جواره، لم يدخروا جهدًا في متابعة حالته والوقوف بجانبه. وجودهم اليومي كان طوق نجاة نفسيًا، يخفف وطأة التعب ويمنحه شعورًا بالأمان.

أما ابنته الصغيرة، التي كانت تستعد لامتحانات الشهادة الإعدادية، فقد شكلت صورة الأمل التي تمسك بها في أصعب اللحظات. كان قلقه عليها أكبر من قلقه على نفسه، يوصي بها خيرًا، ويتمنى أن يراها تكبر وتحقق أحلامها. كانت ابتسامتها كافية لأن تمنحه طاقة صبر إضافية في مواجهة الألم.

إنسان قبل أن يكون فنانًا

في العزاء، لم تكن المناصب موضوع الحديث الرئيسي، بل كان الناس يتحدثون عن إنسانيته. عن دعمه للشباب، ومنحه الفرص للمواهب الجديدة، وحرصه على أن يشارك الآخرين نجاحهم دون خوف من أن يلمعوا أكثر منه.

كانت أعماله الخيرية بعيدة عن الأضواء. لم يكن يحب الإعلان عما يقدمه من مساعدات، لكنه كان حاضرًا حين يحتاج زميل أو أسرة فقدت عائلها إلى العون. كان يرى أن القيمة الحقيقية للإنسان تُقاس بما يقدمه في الخفاء لا بما يعلنه على المنابر.

يرحل الجسد، وتبقى السيرة. تبقى الكتب التي أُعيد نشرها، والأرشيف الذي حُفظ، والعروض التي قُدمت، والأجيال التي تعلمت، والدعوات التي ترتفع له في حضرة البيت الزينبي كل ثلاثاء.

كان يرى أن الفن أمانة، وأن المنصب مسؤولية ثقيلة، وأن الضمير هو الرقيب الأول والأخير على الإنسان. عاش مؤمنًا بأن الرسالة أهم من الشهرة، وأن الخدمة أشرف من اللقب.

نم قرير العين يا ياسر صادق…

لقد خدمت الفن بإخلاص، وخدمت الناس بمحبة، وكنت خادمًا للقيمة قبل أن تكون صاحب منصب.

رحل الجسد، لكن الأثر باقٍ في ذاكرة المسرح، وفي وجدان كل من عرفوه وأحبوه، وفي الحكايات الصغيرة التي ستظل تُروى عن رجل عاش للفن، وعاش بالإنسان، وترك خلفه أثر لا يموت.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

7183
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.