الزاوية المنسية… والمرأة المطلقة بين القانون والواقع
منح القانون في مصر وفي كثير من دول العالم المرأة حقوقًا واسعة، وأصبحت اليوم – نظريًا – مساوية للرجل في معظم الجوانب. صارت تمتلك ذمة مالية مستقلة، وحق التقاضي، وحق العمل، وحق طلب الطلاق، وغيرها من الحقوق التي تُظهرها النصوص القانونية بوضوح.
لكن هناك زاوية لم يلتفت إليها الكثيرون، أو ربما تغافلوا عنها عمدًا أو سهوًا… إنها زاوية المرأة المطلقة.
ما حقوقها الحقيقية بعد الطلاق؟
أين تعيش؟
وهل يكفي أن يُقال إن لها نفقة ثلاثة أشهر هي مدة العدة؟
وماذا بعد ذلك؟
المرأة حين تتزوج، تعلن التزامها أمام الله وأمام أهلها وأهل زوجها. يُكتب عقد الزواج، وتُدوَّن مستحقاتها، ويُذكر الذهب الذي أُحضر لها. لكن في الواقع، كثيرًا ما تُكتب قيمة الذهب بسعر وقت الشراء دون ذكر وزنه، فتتآكل القيمة مع مرور الزمن. تمر السنوات، وتُعطي الزوجة من عمرها وجهدها وصحتها أكثر مما كُتب لها، ثم تجد نفسها – عند الخلاف – تُحاسَب على أرقام فقدت معناها وقيمتها.
يقال كثيرًا إن «كيد النساء عظيم»، لكن الحقيقة أن المكر ليس حكرًا على جنس دون آخر. فالتحايل على الحقوق، والتلاعب بالألفاظ، وإنكار الفضل، كلها ممارسات قد تصدر من أي إنسان حين يغيب الضمير.
ليست كل النساء مظلومات، وليست كل الرجال ظالمين. لكن المشكلة أن بعض النساء يضيعن بين نصوص القانون وتعقيد الإجراءات. فالقانون قد يمنح الحق، لكن الطريق إلى استرداده طويل ومرهق، يحتاج إلى وقت ومال وصبر، لا تملكه كل امرأة.
المرأة المطلقة قد تعود إلى بيت أهلها، إن كان لها أهل. وقد تُجبر على العمل فجأة بعد سنوات من التفرغ لبيتها وأولادها. وقد تكون كبيرة في السن، بلا مصدر دخل، بلا سند، وبلا قدرة على بدء حياة جديدة من الصفر. فإلى أين تذهب إن لم يكن لها مأوى؟ هل تُترك لمصيرها؟
نعم، الحاضنة تبقى في مسكن الزوجية حتى يبلغ الأطفال سنًا معينة، لكن ماذا بعد أن يكبروا؟ ماذا لو اختاروا العيش مع والدهم؟ ماذا لو لم تجد الابنة أو الابن القدرة أو الرغبة في إعالة أمهم؟ هل يُعقل أن ينتهي بها المطاف وحيدة بعد أن أفنت شبابها في بيت وأسرة؟
المجتمع – للأسف – كثيرًا ما ينظر إلى المطلقة بعين قاسية، كأن الطلاق جريمة ارتكبتها وحدها. يكثر الكلام في ظهرها، ويُحمّلها الناس ما لا طاقة لها به، بينما يتغاضون عن الطرف الآخر. فإذا أخطأت المرأة أُقيم عليها الحد اجتماعيًا، أما الرجل فيُقال عنه: «هو رجل»، وكأن الرجولة عذرٌ لكل شيء.
ليست النفقة وحدها هي الحل، وليست بضعة أشهر في مسكن مؤقت كافية لجبر سنوات من العطاء. القضية أعمق من ذلك. القضية كرامة، وأمان، وضمان حقيقي لمستقبل امرأة قد تجد نفسها فجأة بلا دخل، بلا مسكن، وبلا حماية.
سمعت يومًا أبًا يعنف ابنه لأنه ضرب أخته وهدده بطرده من المنزل. قال الابن مستنكرًا: «تطردني أنا؟» فأجابه الأب: «نعم، أنت رجل، تستطيع أن تعول نفسك وتواجه الحياة. أما هي فلا. لا تقارن نفسك بها».
كان ذلك الأب قانونًا حيًا يمشي على الأرض؛ حمى ابنته ووضع حدًا للظلم.
نحن بحاجة إلى أن يكون القانون كذلك: حاضرًا بقوة، سريعًا في إجراءاته، عادلًا في تطبيقه، يحفظ للمرأة حقها كاملًا دون مماطلة أو تحايل. نحتاج إلى آليات تضمن قيمة عادلة لمستحقاتها، وتؤمّن لها مسكنًا كريمًا، وفرصة حقيقية للحياة بعد الطلاق، لا مجرد أرقام تُكتب على ورق.
هذا المقال ليس هجومًا على الرجال، ولا دفاعًا أعمى عن النساء، بل هو صرخة من واقع تعيشه كثيرات في صمت.
فالمرأة ليست خصمًا لأحد، لكنها إنسان يستحق الأمان والعدل.
لأن العدالة لا تكتمل إلا حين نحمي الأضعف…
ولأن كرامة المرأة ليست منحة، بل حق أصيل لا يسقط بالطلاق.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك