من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

الحكواتي و أثر الكلمة

إسراء حمودة
الحكواتي و أثر الكلمة


 

في منتصف رمضان حيث يكتمل البدر وتستقر الروح في ملكوت الصيام، كانت المقاهي العتيقة في القاهرة ودمشق وبغداد تتحول إلى مسارح كونية.

في تلك الأزمنة كانت الناس لا تبحث عن تسلية فقط، وإنما كانوا يهرعون لصناعة "الأنس" عبر بطل واحد لا يملك سوى صوته وعصاه: الحكواتي.

حارس الهوية و"راديو" الحارة

إذا كانت الفوانيس قد أنارت الدروب، وأصبحت الآن من مقتنيات تراثنا العريق، فإن الحكواتي كان سراجًا يفتح آفاق العقول.

راوٍ للأحداث بروح أدبية فنية لا يجعلك تمل السماع، وإنما يسقيك الكلمات حرفًا حرفًا حتى تحفظ حواديته الموروثة وتبني ثقافتك فوق أوتاد تراثك الأصيل.

الحكواتي حارس الهوية واللغة،

في قديم الزمان كان يمرر القيم والبطولات في قالب قصصي يجعل العامي والمثقف ينصتون بذات الدهشة.

كانت سير "أبو زيد الهلالي" أو "الظاهر بيبرس" تصل إلى تعقيداتها الكبرى (العقدة)، مما يجعل الجمهور في حالة ترقب شغوف.

 ليبقي الحكواتي شغفهم مشتعلًا بعبارته الشهيرة: «وللحديث بقية». حتى يستمروا في انتظاره.

على وقع "نقر" عصاه الخشبية على الأرض، أو رنين أوتار ربابته، كان المستمعون يرحلون إلى عوالم الفروسية. في تلك الجلسات كانت الكلمة تكتسب قدسية خاصة؛ فهي التي تجمع القلوب وتوحد المشاعر المتناثرة بعد يوم طويل من الانهزام في متاعب الحياة، لتستقر نفسك في أفلاك الفخر بأنك عربي لك أصول عريقة تحفزك لتقوى بكل كلمة تُروى عليك، وتستمر في مواجهة صعوبات الحياة.

كان الحكواتي يمنح الناس "هدنة" من عناء الحياة، يخرجهم من ضيق الواقع إلى فضاء الخيال الرحب، ليؤكد أن الإنسان لا يحيا بالخبز وحده، بل بالكلمة الطيبة والموقف النبيل والشجاع.

الحكواتي ليس أسطورة، إنه جزء من تراث ثري لن ينفد مهما تداولناه وأسقطنا منه الكثير بمرور الوقت..

لن ينكفئ تراثنا مهما حاصرتنا الحداثة والتطور بما لذّ ودسّ في عقول أولادنا من إرهاصات إلكترونية.

"ربابة وصوت الحكواتي" لن تتحول عبر الشاشات الباردة إلى مسخ. الحكواتي روح التفاعل المباشر. تطورت "الحكايات المحكية" التي تُصنع بذكاء الراوي وردود فعل الجمهور. في أزمنتنا البعيدة يُعرف الراوي أو الحكّاء بصوت خشن، أي صوت رجولي، أما الآن، مواكبةً للعصر والتقدم، فهناك كوادر كاملة وفرق نسائية استطاعت أن تجعل أجيال التكنولوجيا يعشقون تراثنا...

فإذا حل حفلٌ تراثي أو ليل حكي.. حل الجمهور من الشباب واليافعين مستأنسين بالحكي المطعّم بالغناء وبتنوع الأصوات والأداء.

فلا تزال فلسفة الحكاية حية في وجداننا؛ فنحن كبشر ما زلنا نبحث عن ذلك الشعور الذي يشعرنا بـ"الألفة" مع الزمان والمكان.

يمكنك أن تكون حكّاءً لابنتك لتعلمها أصول الدين والتربية دون توجيه أو أمر، وأن تعصم قلب ابنك وتشد أزر رجولته بحكايات الفرسان النبيلة.

نعم، الفن يصنع مجتمعًا واعيًا وشديدًا لا يُهزم أمام ريح خبيثة عاتية.

فالحروب اليوم حروب عقول.. وياليتنا لا نستهين بقوتنا الناعمة (الفنون).

لنعد الإنصات لكبارنا، فهم "حكواتية" بيوتنا الأصليون.

لنحكِ لأطفالنا عن جمال تاريخنا.

فما زالت في جعبة "الحكواتي" فصول مدهشة لم تُروَ بعد.

احكي عن نفسك أولًا.

كوامنك المقيدة تحت وطأة الحياة التي تأخذنا في ذراتها.... الفن حرية، والكلمة إذا حكت تحررت إلى الأبد ونُقشت في وجدان أمم سيأتون بعدك يرددونها، فانطق بما يرفع شأن قومك وانهض بالكلمة إلى النور.


#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

7237
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.