إيديولوجيا الإقصاء النسقي: من حرب الكل ضد الكل إلى حرب الكل ضد الواحد
قراءة في متوالية الصراع الدولي من أفغانستان الى ايران
تشهد العلاقات الدولية المعاصرة محاولة حثيثة لإنتاج مفهوم جديد يتجاوز الأطروحات التقليدية للواقعية السياسية. فبينما أسس توماس هوبز لمفهوم (حرب الكل ضد الكل) كحالة طبيعية فوضوية، تبرز اليوم استراتيجية (حرب الكل ضد الواح) كأداة تسويقية وإعلامية تتبناها القوى المهيمنة (الولايات المتحدة وإسرائيل) لإعادة صياغة النظام الدولي. يرتكز هذا المفهوم على فكرة "العدو الضروري" الذي يُصور للعالم كعقبة وحيدة أمام السلام العالمي الشامل، مما يبرر عملية الإقصاء النسقي لهذا الطرف وتحويله من فاعل إقليمي مستقل إلى مجرد متغير تابع ضمن منظومة التبعية الدولية.
أولاً: الأنموذج الأفغاني (2001) تسويق السلام عبر تقزيم التهديد
تمثل أحداث الحادي عشر من سبتمبر نقطة الانطلاق لتطبيق استراتيجية "الكل ضد الواحد". تم تسويق الحرب في أفغانستان تحت غطاء (التحالف الدولي ضد الإرهاب)، حيث تم اختزال معضلة الأمن العالمي في طرف واحد وهو (تنظيم القاعدة) وزعيمه أسامة بن لادن. كانت الرواية المركزية لواشنطن حينها أن القضاء على هذا الواحد سيجعل العالم مكاناً أكثر أماناً وسلاماً. وعلى الرغم من حشد "الكل" (التحالف الدولي) ضد هذا الطرف، إلا أن النتيجة التاريخية كشفت عن ثبات الصراع وفشل تحقيق السلام؛ إذ تحولت أفغانستان والمنطقة المحيطة بها إلى بؤرة استنزاف طويلة الأمد، مما يثبت أن استهداف الطرف (المتغير) لم يعالج جذور الأزمة (الثابت).
ثانياً: الأنموذج العراقي (1991 - 2003) – فخ "الديمقراطية القسرية"
انتقلت ذات الاستراتيجية إلى الملف العراقي، ولكن بجرعة أكبر من "التبعية البنيوية". في حرب 1991، تم حشد العالم تحت شعار (الشرعية الدولية) لإخراج العراق من الكويت، ولكن الهدف الاستراتيجي البعيد كان يبحث عن تحويل العراق من قوة إقليمية مهيمنة إلى طرف تحت الوصاية. وفي عام 2003، بلغت استراتيجية (الكل ضد الواحد) ذروتها من خلال التسويق الإعلامي بأن النظام السياسي البعثي بقيادة صدام حسين هو العقبة الكأود"أمام سلام الشرق الأوسط الكبير. تم إقناع المجتمع الدولي بأن "اجتثاث" هذا الطرف سيؤدي آلياً إلى استقرار عالمي وازدهار ديمقراطي. غير أن الواقع التاريخي أثبت وقوع العالم في فخ مكرر؛ فقد أدى إقصاء هذا الطرف إلى تفكيك الدولة الوطنية، ونشوء موجات إرهاب عابرة للقارات، وفقدان تام للسلام الإقليمي، مما أكد مرة أخرى أن تغيير أطراف الصراع لا يعني بالضرورة انتهاء حالة الصراع.
ثالثاً: الملف الإيراني (2026) – الإصرار على "الإخراج النسقي" والتبعية
نقف اليوم أمام الذروة الدرامية لهذه المتوالية. يتم التعامل مع إيران كـ "واحد" يجب إقصاؤه نسقياً من الخارطة الجيوسياسية كلاعب ندّي. التحشيد الراهن يتجاوز "التقني النووي" ليطال "الهوية السياسية للدولة".
اذ نجد في الموقف الحالي أن التوجه الأمريكي-الإسرائيلي يصر على إعادة إنتاج ذات السيناريو مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية. تتركز الجهود الآن على استخدام مصطلح صراع الكل ضد الواحد لتصوير إيران كعدو كوني يهدد السلم العالمي من خلال طموحاته النووية ونفوذه الإقليمي. إن الهدف الاستراتيجي هنا يتجاوز الملف التقني النووي؛ إنه يهدف إلى إخراج إيران من منظومة النظام الدولي كطرف إقليمي فاعل وندّي، وتحويلها إلى طرف تابع لا يملك القدرة على التأثير في الجيوبوليتيك العالمي. يتم التسويق الإعلامي بقوة لفكرة أن عالم ما بعد النووي الإيراني سيكون عالماً ينعم بسلام دائم، وهو ذات الوعد الذي قُدّم في كابول عام 2001 وفي بغداد عام 2003.
وبحسب الرؤية الاستراتيجية: نجد إن الوعود بـ سلام دائم في حال تحييد إيران هي إعادة إنتاج لذات الوهم الذي سُوّق في كابول وبغداد. الهدف الحقيقي هو تحويل إيران إلى "دولة وظيفية" مسلوبة الإرادة الاستراتيجية، تابعة لمنظومة السوق والأمن الغربي، لضمان عدم انبثاق قطب يهدد المصالح الطاقوية أو الجيواستراتيجية لإسرائيل وحلفائها.
البنية التحليلية للصراع (الثابت والمتغير)
عند إجراء مقارنة علمية بين هذه المحطات التاريخية الثلاث، نجد معادلة واضحة المعالم:
1. المتغير: هو طرف الصراع (أسامة بن لادن، صدام حسين، النظام الإيراني). يتم استبدال الأسماء والأيديولوجيات حسب مقتضيات المرحلة.
2. الثابت: هو استمرار الصراع وفقدان السلام العالمي، بالإضافة إلى "الرغبة في الهيمنة" عبر تحويل الأقطاب الإقليمية إلى توابع مسلوبة الإرادة.
إن الإصرار على تحويل الصراعات السياسية المعقدة إلى "صورة تبسيطية" (الكل ضد الواحد) هو في الحقيقة وسيلة لشرعنة التدخل العسكري والاقتصادي، وضمان عدم ظهور أي قطب منافس للقوى الغربية في مناطق الطاقة والثروات.
التساؤل المفتوح
إن القراءة المتأنية لهذه المتوالية التاريخية (أفغانستان، العراق، والآن إيران) تضعنا أمام استحقاق فكري وأخلاقي كبير. فإذا كانت القوى الدولية قد حشدت "الكل ضد الواحد" في كل مرة، ووعدت بسلام عالمي تلا ذلك الحشد، ثم ثبت بالدليل القاطع أن السلام يبتعد أكثر مع كل عملية إقصاء أو تغيير قسري للأنظمة فلماذا يظل السلام العالمي مفقوداً وبعيد المنال في كل مرة يتم فيها القضاء على الواحد الذي قيل إنه سبب الأزمة؟ وهل العيب في "الواحد" المقصى، أم في بنية الكل الذي يدير الصراع؟ معضلة الكل أم خطيئة الواحد؟
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك