(إنّ للسلطان سيفًا وإنّ للشّيطان طيفًا) !
إن الله ليبتلي أهل العراق بحكامهم ومبتلي حكام العراق بأهلها، فكما تكونوا يولى عليكم، وكما يولى عليكم تكونون، هذه نقطة للحياد كحد السيف أقف عليها متأملا فيما مضى، نابشا ثرى كليب ابن يوسف الثقفي الملقب بالحجاج !
أما إني والله ل ألعنه ولا يشفع له عندي مثل ما فعله مائة ألف مره، في مقابل قطع عنق مظلوم أو جلد ظهر عالم أو تيتيم طفل يحبو أو سجن بريء .
فلو أنك قتلت عالما من التابعين مثل سعيد بن جبير وصلبت صحابي مثل عبد الله بن الزبير ابن أسماء بنت أبي بكر، على جدار الكعبة في بيت الله الحرام بعد أن قذفتها بالمنجنيق وهدمت بعض أجزائها وتجرأت على حرمة المكان وقطعت أوصال الزمان، فهل يغفر لك ذلك أنك بنيت مدينة واسط وفتحت بلاد الهند وأمرت تنقيط المصحف وتشكيله !!
***
عبد الله بن الزبير، صحابي جليل وابن الصحابي الزبير بن العوام، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، وهو خليفة من خلفاء المسلمين ولي الخلافة بعد يزيد بن معاوية تسع سنين حتى قُتل في الحرم المكي، وآلت إلى ذريته بعد ذلك سقاية زمزم نيابة عن خلفاء بني العباس واستمرت فيهم إلى اليوم .
في 73 هـ قرر عبد الملك بن مروان التخلص من عبد الله بن الزبير، فجهز جيشاً ضخمًا لمنازلة ابن الزبير في مكة، وأمر عليه الحجاج بن يوسف، فسار إلى مكة وحاصر ابن الزبير فيها، وضرب الكعبة بالمنجنيق حتى هدمها، وقد ذكر الإمام الذهبي ذلك في السير، وذكرت تلك الواقعة أيضا في البداية والنهاية !
قَتل الحجاج ابن الزبير وصلبه ولم يشفع له تعلق الرجل بأستار الكعبة، وأرسل إلى أمه «أسماء بنت أبي بكر» أن تأتيه، فأبت، فأرسل إليها لتأتين أو لأبعثن من يسحبك بقرونك، فأرسلت إليه: والله لا آتيك حتى تبعث إلي من يسحبني بقروني. فلما رأى ذلك أتى إليها فقال: كيف رأيتني صنعت بعبد الله؟ قالت: رأيتك أفسدت عليه دنياه، وأفسد عليك آخرتك، وقد بلغني أنك كنت تعيره بابن ذات النطاقين، فقد كان لي نطاق أغطي به طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم من النمل ونطاق لا بد للنساء منه فانصرف ولم يراجعها.
وقيل دخل الحجاج عليها فقال: إن ابنك ألحد في هذا البيت، وإن الله أذاقه من عذاب أليم. قالت: كذبت، كان برا بوالديه، صواما قواما، ولكن قد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سيخرج من ثقيف كذابان، الآخر منهما شر من الأول !
***
عندما أدرك الحجاج بمكان التابعي الجليل سعيد بن جبير، أمر أن يُساق إليه مقيدا، وعندما وصل إليه أمر الحجاج بذبحه، وأدَّعى أنه عدو لله ودينه، وهكذا استشهد رحمه الله، وباء الحجاج بن يوسف الثقفي بإثمه.
ودارت بين الحجاج وسعيد بن جبير محاورة طويلة تباين المؤرخون في نقلها انتهت بقول الحجاج غاضباً: “أما والله لأقتلنك قتلة لم أقتلها أحداً قبلك ولا أقتلها أحداً بعدك”، فقال سعيد: “اللهم لا تحل له دمي ولا تمهله من بعدي”. ثم قال: “اللهم لا تسلطه على أحد يقتله بعدي”. ويقال أن سعيد بن جبير ذُبح من القفا، وقد استجاب الله دعاءه فقد التبس الحجاج في عقله ودبّ المرض في جسده وجعل ينادي: “مالي ولسعيد” !
ولم يزل الحجاج بعد قتله سعيدا فزعا مرعوبا حتى مُنع من النوم وكان كلما نام رآه آخذا بمجامع ثوبه يقول: “يا عدو الله فيم قتلتني؟ فيستيقظ مذعورا ويقول مالي ولابن جبير؟ ولم يزل متلبساً حتى هلك”.
وروى الدميري: إن عمر بن عبد العزيز رأى الحجاج في المنام بعد موته وهو جيفة منتنة فقال له: ما فعل الله بك ؟ قال قتلني بكل قتيل قتلته قتلة واحدة إلا سعيد بن جبير فإنه قتلني به سبعين قتلة. ويعلل الدميري سبب ذلك: إن سعيد بن جبير لم يكن له نظير في العلم في وقته، ثم ينقل عن الحسن البصري قوله: والله لقد مات سعيد بن جبير يوم مات وأهل الأرض من مشرقها إلى مغربها محتاجون لعلمه.
وقيل إن الذي أفزع الحجاج عندما رأى مقتل سعيد سيلان الدم الكثير الذي لم يرَ بقدره عند من قتلهم قبله مما جعله يستدعي الأطباء ويسألهم عن ذلك فقالوا له: هذا قتلته ونفسه معه والدم تبع للنفس ومن كنت تقتله قبله كانت نفسه تذهب من الخوف لذلك قلّ دمه.
ذُكر أن الحجاج كان قبيح الوجه وصغير الجسد، ولكن كان فصيحاً وبليغاً وخطيبا جباراً، وقد كان ناصبيا يبغض عليا في هوى آل مروان بني أمية وكان جبارا عنيدا مقداما على سفك الدماء بأدنى شبهة، وكان حقودًا حسودا كما وصف نفسه لعبد الملك بن مروان !
***
دامت ولاية الحجاج على العراق عشرين عاماً، وفيها مات. وكانت العراق عراقين، عراق العرب وعراق العجم، فنزل الحجاج بالكوفة، وكان قد أرسل من أمر الناس بالاجتماع في المسجد، ثم دخل المسجد ملثماً بعمامة حمراء، واعتلى المنبر فجلس وأصبعه على فمه ناظراً إلى المجتمعين في المسجد فلما ضجوا من سكوته خلع عمامته فجأة وقال خطبته المشهورة التي بدأها بقول:
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا
متى أضع العمامة تعرفوني
ومنها:
”أما والله فإني لأحمل الشر بثقله وأحذوه بنعله وأجزيه بمثله، والله يا أهل العراق إني لأرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها، وإني لصاحبها، والله لكأني أنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى. ثم قال: والله يا أهل العراق، إن أمير المؤمنين عبد الملك نثل كنانة بين يديه، فعجم عيدانها عوداً عوداً، فوجدني أمرّها عوداً، وأشدها مكسراً، فوجهني إليكم، ورماكم بي.
الخ …
***
مرض الحجاج مرضًا غريبًا يحكى عنه المؤرخون الثقات كابن خلكان ؛
حيث كان مرضه بالأكلة وقعت في بطنه، ودعا بالطبيب لينظر إليها، فأخذ لحمًا وعلقه في خيط وسرحه في حلقة وتركه ساعة، ثم أخرجه وقد علق به دود كثير، وسلّط عليه الزمهرير، فكانت الكوانين تجعل حوله مملوءة نارًا وتدني منه حتى تحرق وهو لا يحس بها
قال الذهبي فيه:
أهلكه الله في رمضان سنة خمس وتسعين ه ، وكان ظلوماً جباراً ناصبيا خبيثا سفاكا للدماء، وكان ذا شجاعة وإقدام ومكر ودهاء، وفصاحة وبلاغة وتعظيم للقرآن، قد سقت من سوء سيرته في تاريخي الكبير، وحصاره لابن الزبير بالكعبة ورميه إياها بالمنجنيق وإذلاله لأهل الحرمين، ثم ولايته على العراق والمشرق كله عشرين سنة، وحروب ابن الأشعث له وتأخيره للصلوات إلى أن استأصله الله، فنسبُّه ولا نحبه بل نبغضه في الله فإن ذلك من أوثق عرى الإيمان، وله حسنات مغمورة في بحر ذنوبه وأمره إلى الله.
والله أعلم .
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك