لوح الطين الأول
القصيدةُ العراقية
ليست ابنة ورق،
ولا وليدة حبر؛
إنها طفلةُ الطين
التي وضعتْها سومر على ركبتَيها
وقالت لها:
“قومي… كوني صوتاً لا يخفت.”
هي القصيدة التي
خرجت من بين ضلوع الفرات
كما يخرج النور من جرحٍ لَمّاع،
وتعلّمت المشي
على حجارة بابل،
وتعلّمت النحيب
على بوّابات نينوى،
وتعلّمت النبوّة
على جبين أور
حين كان القمر يتدلّى
كآيةٍ تُكتب فوق الماء.
القصيدةُ العراقية
أقدم من السؤال،
أعمق من الذاكرة،
أقسى من الحرب،
وأحنّ من يد أمّ
تُغطّي طفلها بالسماء.
هي قصيدة
حين تُتلى،
تستيقظ تحتها طبقات التراب،
وتنهض الأرواح القديمة
كأنها تحفظ كل حرفٍ
من فم جلجامش،
وكل تنهيدةٍ
من قلب إنكيدو.
وفيها ذلك البكاء
الذي ظلّ ثلاثة آلاف عام
ينقر صدر الأرض
كطبلة مقدّسة،
وفيها ذلك الفرح
الذي لا يشبه فرحًا
إلا فرح الحضارة
حين تكتشف نفسها.
القصيدةُ العراقية
تسافر بلا أجنحة؛
أجنحتها الأنين،
وعبورها التمرّد،
وصولها الذاكرة
التي لا تهرم أبداً.
وفيها
رائحة نخيل لم يُخلق ليقف،
بل ليحرس هذه الأرض
شاهقًا كوصيّة،
وفيها
شهيق أمهاتٍ
يصبحن قصائد
كلما ضاقت السماء
بأسمائهن.
هي القصيدة
التي لم تتعلّم الرقة
ولا العذوبة،
لكنها تعلّمت الصدق،
فكان صدقها
أقسى من السيوف،
وأنبل من الملوك،
وأثبت من الماء
حين يحاصر ضفّته.
وعندما تكتب نفسها
لا تفعل ذلك بيد شاعر؛
تفعل ذلك
بأظافر وطن،
بجمر معركة،
بندى طفل،
بتنهيدةٍ لم تجد أحداً
فتحوّلت بيتاً شعرياً
يظلّ معلقًا في الهواء
حتى تصادفه روح
تستطيع أن تفهمه.
القصيدةُ العراقية
هي العراق نفسه:
جرحٌ يتلألأ،
صوتٌ يجهر،
وحضارةٌ
تجرّ العالم من كتفه
وتقول له:
هنا بدأ الكلام…
وهنا سيعود
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك