من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

إيران، البطولة الكاذبة..!!

الدكتور إدريس الواغيش / كاتب من المغرب
إيران، البطولة الكاذبة..!!


العلاقات بين الدول لا تقوم على العاطفة، ولكنها تتطابق فيها المصالح تارة، وتطفو على السطح خلافات حادة في أخرى. وما يقع في الشرق الأوسط اليوم من هجوم وهجوم مضاد بين إيران وأمريكا وإسرائيل. الصراع نتيجة خلافات حادة، أساسه نفطي واقتصادي في المدى القصير بالدرجة الأولى، ولكنه جيواستراتيجي على المدى البعيد.

 ما نراه في منطقة الشرق الأوسط من تصعيد عسكري، هو واقع مُربك ومُقلق وجدُّ مُعقد. تتداخل فيه عدة أطراف في الظاهر، وأخرى تعلب من وراء ستار. وتقف وراءه شراكات تجارية وعسكرية، ومصالح نفعية بين عدة شركات عالمية عملاقة. هناك بكل تأكيد رائحة بترول، ولكن معها كذلك صناعات أسلحة وبحث عن سيطرة ونفوذ عالمي، وأيضًا بحث عن بدائل في المنطقة، وصناعة خريطة جديدة لشرق أوسط جديد، قد يكون مختلفًا هذه المرّة في تركيبته الخرائطية والحدودية عن الشرق الأوسط القديم، هو الذي كثيرًا ما روَّجت له كوندوليزا رايس في عهدة بوش الابن. 

القرارات الكبرى والمحرك الأساسي، في كل ما يجري في هذا الشرق أوسط المبحوث عنه في هذه الأحداث الصدامية هي الولايات المتحدة، أما باقي الأطراف في هذا الصراع الدائر، متمثلة في الدول العربية والإسلامية، فهي لا تعدو أن تكون مُجرّد حطب في لهيب نار مشتعلة، وعوامل مساعدة وتفاصيل صغيرة، بما فيها دولة الكيان الإسرائيلي نفسها. وإن كانت المصلحة العليا في الحرب على إيران، يشترك فيها الحليفان الما فوق- تقليديان أمريكا وإسرائيل. 

في العالم العربي والإسلامي، لم يعد الحديث مُمكنًا في الوقت الرّاهن، على الأقل، عن بطولات خارقة، بعد رحيل عنترة بن شداد العبسي وعامر بن الطفيل منذ أيام الجاهلية. أما في الحقبة الإسلامية التي نعيشها، يكاد المرء يخجل من الكلام عن بطولات فردية حقيقية أو حتى استراتيجيات جيوش عسكرية، بعد غياب ضرار بن الأزور الأسدي، خالد بن الوليد وصلاح الدين الأيوبي. وهكذا، أضحت البطولات العربية والإسلامية ما بعد القرن العشرين، وحتى قبله، مُجرّد أكاذيب واهية...!!

ادعى صدام حسين هذه البطولة في العراق أولا، وسماه الإعلام العراقي "القائد الضرورة"، بعد أن انتفخت أوداجه بفعل عائدات النفط من الدولار والعملات الصعبة، وانقسم حوله الرأي العام العراقي والعربي بين كونه القائد الحقيقي الملهم والدكتاتور القمعي. وفعلها مثله جمال عبد الناصر في مصر، وكان أهم سلاح عنده، هي بيانات حربية تصدح بها حناجر مذيعين ومذيعات في ميكروفونات "ماسبيرو" من قلب القاهرة. 

وكانت النتيجة، أن أصبح جمال عبد الناصر أكبر ملك للهزائم في العالم العربي. أقسى هذه الهزائم كانت في 67، ثم قبلها في حرب اليمن سنة 62، وقبلها كان الانفصال المؤلم والجارح عن سوريا عام 61 بعد انهيار ما سُمّيَ حينها "الجمهورية العربية المتحدة" التي قامت عام 58، ثم أزمة 1956 في العدوان الثلاثي الذي خسرت فيه مصر سيناء في حرب الاستنزاف التي بدأت في 1967، واستمرت إلى غاية 1970م. ثم جاءت فضيحة مدوية وأكثر إيلامًا، فيما سمي "حرب الرّمال"، وكانت حصته منها هزيمة ثقيلة وشنعاء في صحراء المغرب الشرقية، حين أرسل خيرة طياريه مساندًا الجيش الجزائري لخوض معركة فوق الرمال المتحركة على الحدود المغربية سنة 1963م.

وبعدها، جاء تلميذه معمر القذافي، وهو مندفع أكثر من أستاذه، يحمل معه نفس الحماسة والغرور والتهور والأوهام، وأعلن دون خجل عن أكبر أكذوبة عرفها التاريخ الحديث، جمع فيها القذافي بين النقيضين في جملة اسمية وليست فعلية، وأطلق على امبراطوريته: "الجماهيرية العظمى". وظلت هذه الجماهيرية حبيسة الاسم والنطق واللسان، بعيدًا عن أيّ فعل أو إنجاز، لا هي جماهيرية فاضلة، ولا جمهورية ديمقراطية مناضلة. ولم تفعل هذه "الجماهيرية العظمى" في حياته شيئا ملموسًا أو نافعًا في ليبيا والوطن العربي والإسلامي، ولا إنجازًا عمليًّا يذكر، قبل أن يغادرها إلى مستقر أخير في قبره بالطريقة التي نعرفها.

إيران بدورها تورّطت في أكبر أكذوبة أطلقت عليها اسم "القوة الإسلامية"، ولكن الحقيقة التي يعرفها الجميع، هي أنه لم يكن لنا في التاريخ المعاصر، لا قوة "عربية" ولا قوة "إسلامية"، بعد أفول نجم العباسيين والأمويين. وحتى حينما جاءت الدولة العثمانية في زمن ما، وحكمت كل الدول الإسلامية والعربية، ظل المغرب استثناء مستقلا بذاته، واستعصى بعيدًا عن نفوذها وسلطة جيوشها وخاتم بابها العالي. وأكثر من ذلك، انتصر عليها انتصارا مبينا، وأهانها شر إهانة في معركة وادي اللبن قرب مدينة فاس. ولكن استطاعت بعض السلالات الحاكمة في المغرب، أن تجمع تحت سلطتها بين بلاد المغرب العربي في شمال إفريقيا إلى حدود ليبيا، وبين جنوب أوروبا في بلاد الأندلس، وجزء من جنوب فرنسا في زمن حكم الموحدين والمرابطين. 

وحين جاءت إيران بعمائمها، كان من أخطائها أن تورّطت في انتشار جغرافي واسع، ونفوذ أكبر من قدراتها العسكرية والاقتصادية والسياسية. صحيح، أنها استطاعت السيطرة من خلال امتدادها الشيعي على دول عربية كثيرة تجاورها، بفضل تغلغل التشيع المذهبي في هذه الدول بشكل أو بآخر، وحدث ذلك على الخصوص في: لبنان واليمن كمرحلة أولى، ثم في دولتي العراق وسوريا مع سقوط نظام صدام وضعف حكم آل الأسد. وفي مرحلة لاحقة، حاول مشروع ملالي إيران التغلغل في الجزء الرَّخو من خاصرة جغرافيا دول المغرب العربي في ليبيا وتونس والجزائر، وخصوصًا في جمهورية الوهم بتندوف، وكذلك في دولة موريتانيا الضعيفة اقتصاديًّا وعسكريًّا. وها هي دولة إيران اليوم عاجزة عن الدفاع على أراضيها أمام التكنولوجيا المتفوقة التي تمتلكها أمريكا وإسرائيل، رغم المساعدات الخفية والمعلنة التي تقدمها لها دول كبيرة وقوية، مثل: الصين وروسيا. والظاهر أن إيران خسرت المعركة منذ الضربة الأولى، أمام تفوق تكنولوجي وعسكري واضح، لأنها وقعت في نفس الفخ الذي وقع فيه العراق إبان حكم صدام قبلها.

الخطأ الأول الذي وقعت فيه إيران، التي كفَّرَ علماء المغرب بالإجماع أول مُرشد لها، وأول "آياتها" و"روح الله" الخميني، هو أنها حاولت أن توسع من جغرافية نفوذها العسكري، عبر خلق ميليشيات شيعية في بلدان ضعيفة سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا، وتناست أن عيون الولايات المتحدة الأمريكية لا تنام، وهي تراقبها على مدار الساعة. ونعرف جميعا كيف عاش الخميني في فرنسا، ومن كان يموّله، حتى لا يُزايد علينا أحد بشعاراته في ليل طنجة. أما الخطأ الجسيم الثاني، إضافة إلى أخطاء أخرى كثيرة، هو أن إيران أعطت لنفسها هالة عسكرية وتكنولوجية أكبر من حجمها الحقيقي، وصدقت نفسها قبل أن يصدّقها الآخرون. وروَّج لهذه القوة بعض الإعلام العربي، وطبل لها الإعلام الغربي، كما فعل تمامًا مع صدام حسين للإيقاع به، وكان هذا هو الفخ الذي وقعت فيه بعينه وذاته وصفته. ولم يسلم من شرها حتى بلدان بعيدة عنها جغرافيا، مثلما وقع لها مع المغرب، وأظهرت عبر سفيرها في الجزائر دعمها جهارًا للانفصال، وتهديدها لاستقرار المغرب عبر حزب الله ودعم مرتزقة البوليساريو.

اليوم بدأ سقوط الأقنعة عن حقيقة إيران المُخفية، بعيدًا عن ترديد الشعارات، وإبداء العواطف نحو دولة مُسلمة أعطتنا علماء مثل ابن سينا والخوارزمي. وهذا ما يمكن أن نسمّيه نفاقًا "محور المقاومة"، وهو ما يردّده الناس في بعض الشوارع المغربية والعربية، والتعبير عن العداء المطلق لإسرائيل في عالم يؤمن بالقوة وليس بالكلام والشعارات، بينما تهمس لغة الأرقام والوثائق السرية في باطن الأشياء بأمور أخرى تناقض تماما ظاهر الأشياء. أما الواقع، فهو يحكي لنا عن حقيقة صادمة حول علاقة قديمة ووطيدة، سرية مرّة وفي أخرى مُعلنة، بين طهران في إيران وتل أبيب في إسرائيل، وعن تحالف وظيفي بُني باتفاقات بين الدولتين على صفقات تجارية بمليارات الدولارات، وكان من أكبر ضحاياه، هو الاستقرار في المنطقة العربية والإسلامية.

اليوم وأمام تحرك البوارج العملاقة العائمة في زرقة البحار والمحيطات، لن ينفع إيران صياح جيوش الخوارج المؤيدة لها والمتعاطفة معها في شوارع طنجة، وفي بعض مدن المغربية والعربية. كما أن هناك عدة حقائق أخرى صادمة، لم يخبرنا بها الإعلام العربي، ولكن فعلها الإعلام المُحايد عربيًّا وغربيًّا، وهي أن أغلب الصواريخ التي تنطلق من الأراضي الإيرانية صنعت بتقنيات إسرائيلية، ولكن بتمويل بيترو دولار إيراني. وقد كان هناك دائمًا، منذ ما سُمّي بالثورة الإسلامية في إيران، تبادل لأدوار خفية وكثيرًا ما كانت قذرة بين الدولتين الفارسية والعبرية، هدفه الأسمى تمزيق المنطقة العربية والإسلامية، وإضعاف دولها ومجتمعاتها. نتحدث هنا عن دول مثل: اليمن، لبنان، سوريا، العراق وفلسطين، حيث يظهر جليًّا تغلغل شيعة إيران وميليشياتها. وقد عملت دولة إيران على تفكيك المجتمعات العربية والإسلامية القريبة منها جغرافيا، وحتى البعيدة مثل المغرب من الداخل، وذلك من خلال خلق مليشيات شيعية تابعة لها فوق أراضيها، كما فعل حزب الله في لبنان والحوثيون في اليمن، والضحية كانت دائمًا هي السيادة العربية والإسلامية.

أما الشعارات الإعلامية التي يردّدها العملاء والطابور الخامس في ليالي طنجة وشوارعها، كما في بعض المدن الأخرى، ما هي إلا مخدراً للشعوب العربية والإسلامية. وتبقى إسرائيل وإيران وجهان لعملة واحدة، بعيدا عن أي شعارات أو منطق حسابي خاطئ.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

7342
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.