من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

الطاقةُ المهدرةُ

علاء أبو شحاتة
الطاقةُ المهدرةُ

قيل في معنى الحِكْمَة: إنها اسمٌ لإحكامِ وضعِ الشيءِ في موضعه، وهي فعلُ ما ينبغي على الوجهِ الذي ينبغي في الوقتِ الذي ينبغي.

وبناءً عليه فليس من الحكمةِ الإفراطُ في العطاءِ والذي يعلّمُ الناسَ استغلالك، وليس من الحكمةِ الإفراطُ في التسامحِ لأنه يُعلّمُ الناسَ التهاونَ في حقك، كما أنه ليس من الحكمةِ الإفراطُ في الطيبةِ لأنه يجعلك تعتادُ الانكسارَ، وأخيراً فإن الإفراطَ في الاهتمامِ بالآخرين يُعلّمهم الاتكاليةَ واقتحامَ عوالكم الخاصة من بابِ الحقوقِ المكتسبةِ دون أدنى خجلٍ أو وازعٍ من ضمير. 

يحكي أحدُ الآباءِ عن بعضٍ من تجاربه فيقول: في أحدِ المراتِ لاحظتُ أنّ ابني نسي أن يشحنَ هاتفه قبل نومه، فما كان مني غيرَ أنّي وضعته على الشاحنِ، وفي الصباحِ قابلني ابني بفيضٍ من الشكرِ والثناءِ وإشراقةٍ تعلو محياه لا تخطئها عينٌ، وفي الليلةِ التاليةِ لاحظتُ أنه نسي أن يضعَ هاتفه على الشاحنِ فكررتُ ما قمتُ به الليلةَ السابقةَ، وفي الصباح شكرني ابني لكنه جاء بوجه غيرَ الوجهِ الذي في الليةِ السابقةِ، وبحماسٍ باهتٍ لا ينمُ عن ثناءٍ عميقٍ، وفي الليلةِ الثالثةِ عدتُ للبيتِ مرهقاً، فسارعتُ إلى النومِ ونسيتُ أن أضع هاتفَ ابني على الشاحن، وفي الصباحِ وجدته متعكرَ المزاج وقد نال منه الضيقُ الشديدُ بل وعاتبني على عدمِ قيامي بواجبي الذي اعتاده مني.

أما عن ابنتي فقد قمتُ بترتيب فراشها في الصباحِ عدةَ أيامٍ ‘ فما كان منها إلا أنها توقفت عن ترتيبه من تلقاء نفسها وصارت تنتظر مني القيام بما عودتها عليه.

تعوّد صديقي أن أتصلَ عليه كي أطمئنَ على أحواله، ولما انشغلت عنه في أحدِ الأيامِ لظروفٍ ألمّت بي وجدته في أوجِ غضبه يصبُّ جام حممه ولهيبَ عتباه على خطأي الذي اقترفته في حقه وتجاوزي الذي لا يليق.

أما عن زميلي الذي كنت أستوعبه في أوقات غضبه وثوراته الحادةِ، فقد صار من الطبيعي أن يثورَ، بل ويتجاوزَ معي حدودَ اللياقةِ ومعاييرَ الأدبِ وانتقاءِ الكلمات.

صديقٌ آخرٌ يحكي تجربته المرةَ فيقولُ: ورثتُ مع إخواني عقاراً كنا نقتسمُ إيجاره الشهريّ، ولأنه كان في بحبوحةٍ من أمره ويسارٍ في ماله، فقد ترك لهم نصيبه عن طيبِ خاطرٍ منه، وحين تعرضَ لضائقةٍ ماليةٍ طالبهم بنصيبه فما كان منهم إلا أن حاصروه بنظراتِ اللومِ والعتاب والاستغرابِ ‘ فكيف يتجرأ ويطالب بحقه ويسلبهم حقوقهم المكتسبة؟ مما اضطره إلى أن يستجديهم بكشف ستره وضيق حاله.

القصصُ متنوعةٌ والنتائجُ واحدةٌ، فكلُ مَن يجعل من نفسه كلأ مستباحاً سينقلبُ معروفه ذماً عليه ويندمِ كما قال زهير بن أبي سلمى: 

وَمَنْ يَجْعَلِ المَعْرُوفَ فِي غَيْرِ أَهْلِهِ

يَكُنْ حَمْدُهُ ذَماً عَلَيْهِ وَيَنْدَمِ

وجملةُ القولِ إنّ أيَ مجهودٍ أو عطاءٍ مبذولٍ في غيرِ محله لن يعودَ عليك بما تتوقعه من مردودٍ أو امتنانٍ أو ثناء 

وكلُ شعورٍ أو عاطفةٍ أو حبٍ فياضٍ يضلُ طريقه، سينقلبُ عليك نقمةً وجحيماً لا يطاق.

فالتضحيةُ في غير محلها سفهٌ وحماقةٌ وطاقةٌ مهدرةٌ، والإفراطٌ في المشاعرِ كمن أفرط في وضع مكعباتِ السكرِ لتحليةِ كأسٍ من الشاي، فإذا به يستحيلُ من مسببٍ للبهجة واعتدالِ المزاجِ إلى عقابٍ ولومٍ وتكدير.

الرسم بالكلمات

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

7346
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.