من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

الفلاحين

محمد قنديل
الفلاحين


هل كان الفاجومي مبالغاً عقب إعلان بيان العبور وتجلى بشائر النصر، حين غرد خارج السرب كالعادة متحدياً وجدي الحكيم؟!

دخلت سعاد حسني بكلمات "دولا مين ودولا مين" 

الإذاعة، لتسجيل الأغنية الطاهرة من كلمات أحمد فؤاد نجم وألحان كمال الطويل.

كان نجم قلق من أن تُرفض الأغنية لخلافة الشديد مع السادات، فاصطدم بوجدي الحكيم، المسؤول الأهم في الإذاعة حينها، قائلا له: -يا نجم مفيش سطرين أو كلمتين عن الرئيس السادات كدا في الأغنية- 

رد نجم: -يا وجدي أنا بكتب عن الشهداء، لما يستشهد إن شاء الله هعمله قصيدة لوحده- 

والمفارقة حين تم اغتيال السادات في ذكرى نصر أكتوبر، رقص نجم فرحا في محبسه، فقد كان الخلاف بينهما قد بلغ ذروته.

تم غناء واحدة من أجمل وأنبل الأغاني الوطنية الصادقة التي نسبت الفضل والنصر لأصحابه الفلاحين أبناء تلك الأرض !


دولا مين ودولا مين دولا عساكر مصريين

دولا مين ودولا مين دولا ولاد الفلاحين


-من وجهة نظري غير المتواضعة، كما وضع الفلاح الفرعوني القديم مقياساً لمنسوب مياه النيل، فإن أحمد فؤاد نجم هو مقياس دقيق للوطنية المصرية-


ليس ببعيد عن مسقط رأس الفاجومي، من نفس المحافظة فلاح آخر كان أول من زرع العلم المصري فوق خط بارليف، ليثمر العلم نور وأمل. 

محمد العباسى -البطل- ابن قرية القورين شرقية!


ثم إلى الرقيب أول محمد عبد العاطى، ابن قرية شيبة قش شرقية، صائد الدبابات، الذى استطاع تدمير 27 دبابة ومجنزرة خلال حرب أكتوبر، وتم منحه وسام نجمة سيناء عام 1974، وهو من أرفع الأوسمة العسكرية! 


أما في عصر الاضمحلال وانهيار القيم، أصبحت الآن كلمة فلاح سُبه من بعض المتنطعين عديمي الأصل والكرامة، تارة بقولهم هذا فلاح الفكر وهذا فلاح المنشأ، والحقيقة إن فِلاحة الفكر والمنشأ هي الكرامة الأعظم لهذا البلد الذي كلما تراجع فيه الفلاح للوراء وتقدم أهل الكُمبوندات المتملصين من أصولهم، كلما تراجعت الأخلاق والقيم والحضارة. وانحدر البلد في غيابات الجهل والهوان والسطحية.

أبناء القرى والفلاحين هم أبناء بهية الحقيقيين أصحاب المواهب والفكر والكرامة، القائمة لايمكن حصرها، لكن على سبيل الذكر خلاصة أبناء هذا الوطن جُلهم من أبناء الفلاحين (الشيخ مصطفى اسماعيل- الشيخ محمود خليل الحصري- الشيخ البنا- الشيخ المنشاوي- الشيخ عبد الباسط - طه حسين- أمل دنقل - أحمد فؤاد نجم - أحمد زكي - الشيخ الشعراوي - ام كلثوم - جمال عبد الناصر - أبنوم المصري… والقائمة طويلة) 

هؤلاء بعض من أبناء الفلاحين خريجي كتاتيب القرى والنجوع المصرية الذين كافحوا ضد مركزية الدولة الخانقة للمواهب.


هؤلاء من صنعوا الثورات ضد الاستبداد منذ 4300 سنة، يروي لنا نجيب محفوظ في رواية أمام العرش، الحوار بين الثائر المصري أبنوم ابن طبقة الفلاحين والصناع والصيادين، وبين المحكمة التي نُصبت في الدار الآخرة لتحديد مصير كل من تولى إدارة وحكم البلاد والعباد، إما إلى الخلد وإما إلى الجحيم، أو بين بين حيث منطقة رمادية!


انعقدت المحكمة بكامل هيئتها المقدسة في قاعة العدل بجدرانها العالية المنقوشة بالرموز الإلهية وسقفها المذهب تسبح في سمائه أحلام البشر. أوزوريس في الصدر على عرشه الذهبي، إلى يمينه إيزيس على عرشها، وإلى يساره حورس على عرشه، وعلى مبعدة يسيرة من قدميه تربع تحوت كاتب الآلهة مسندا إلى ساقيه المشتبكتين الكتاب الجامع وعلى جانبي القاعة صفت الكراسي المكسوة بقشرة من الذهب الخالص تنتظر من سيكتب لهم الخلاص من القادمين.


صاح حورس بصوته الجهوري ؛ 

ثوار فترة الظلام الممتدة ما بين سقوط الدولة القديمة وقيام الدولة الوسطى.

تدخل جماعة متباينة الأشكال والأحجام، مضت في أكفانها عارية الرؤوس حافية الأقدام حتى مثلت في صف واحد أمام العرش.

وتلا تحوت كاتب الآلهة صفحة جديدة :

هؤلاء هم رؤوس الثورة، قادوا الجماهير الغاضبة في ثورة دموية مخربة، ثم حكموا البلاد عهدا طويلا امتد ما بين سقوط الدولة القديمة وقيام الدولة الوسطى. ولم يتركوا وراءهم أثرا يدل عليهم إلا المعابد المهدمة والقبور المنهوبة والذكريات المرعبة.


فقال أوزوريس : رشحوا من يمثلكم عند اقتضاء الكلام .

فأشاروا إلى رجل نحيل طويل كأنما وجهه من صخر، وقالوا : أبنوم ، فهو أول من دعا إلى العصيان والقتال .

فدعاه أوزوريس إلى الكلام فقال أبنوم : تجاهل التاريخ أسماءنا وأفعالنا، فهو تاريخ يدونه الخاصة ونحن من عامة الفلاحين والصناع والصيادين، ومن عدالة هذه القاعة المقدسة أنها لا تغفل من الخلق أحدا، وقد تحملنا من الآلام فوق ما يتحمل البشر، ولما انصب غضبنا الكاسر على عفن الظلم والظلمة

نعتوا ثورتنا بالفوضى و نعتونا باللصوص، وما كانت إلا ثورة على الطغيان باركتها الآلهة.

فسأل خوفو:  

- كيف تبارك الآلهة العدوان على المقدسات؟

فقال أبنوم : بدأت المأساة بضعف الملك بيبي الثاني لعجزه وطعونه في السن وذهوله عما يجرى حوله وتسليمه بأكاذيب المنافقين من حوله، فاستقل حكام الأقاليم بأقاليمهم واستبدوا بالأهالي، فرضوا المكوس الجائرة، ونهبوا الأقوات، وأهملوا أي إصلاح للري والأرض، وانضم إليهم الكهنة حرصا على اوقافهم، يبيحون لهم بفتاويهم الكاذبة كل منكر، غير مبالين بأنات الفقراء وما يعانون من قهر وذل وجوع، وكلما قصدهم مظلوم طالبوه بالطاعة والصبر ووعدوه بحسن الجزاء في العالم الآخر، وبلغ منا اليأس غايته، فلا حاكم يعدل، ولا قانون يسود ولا رحمة تهبط، فانطلقت بين قومي أدعوهم إلى العصيان ومحاربة الظلم بالقوة، وسرعان ما استجابوا إلى النداء، فحطموا حاجز الخوف والتقاليد البالية، ووجهوا ضرباتهم القاتلة إلى الطغاة والظالمين، وسرت النار المقدسة إلى جميع البلاد وانطلقت قذائف الغضب الأحمر على الحكام والموظفين ورجال الدين والمقابر، ثم استولينا على مقاليد الحكم.

فقال أوزوريس :

أما قرأت أشعار إيبوور الحكيم وهو يرثي المقــدســات ومـا حل بالصفوة وضياع القيم؟

فقال أبنوم : كان إيبوور شاعرا حقا ولكنه كان ينتمى إلى السادة الظالمين ففاضت دموعه حزنا على أبناء وبنات الطغاة وهاله أن يحل محلهم أبناء الشعب . .

فقال الحكيم بتاح حتب :

إنك تتحدث يا أبنوم من منطلق حقد أسود وهو إثم كبير.

فقال أبنوم : إنه الحقد الذي زرعه في صدورنا السادة الظالمون.

فقال الملك زوسر :

عجيب ما أسمع وحق الآلهة .. ما مصر إلا مركب من تقاليد مقدسة إذا اختل منه عنصر تطاير البناء وتفتت، ففرعون هو الإله المجسد، والصفوة نوابه الذين يعكسون نوره، والموظفون خدمه وأتباعه المبلغون رسالته، فكيف يحل مكان هؤلاء قوم من

الفلاحين والصناع والصيادين؟

فقال أبنوم :

لقد حلوا محلهم بالفعل وأثبتوا أنهم خير منهم وأن الآلهة تتجسد فيمن يرفع راية العدل والرحمة أيا يكون ...

فهتف الملك زوسر :

يا لك من وقح !

فالتفت أوزوريس إليه قائلا :

لا أسمح بتجاوز الأدب في الخطاب، اعتذر.

فقال زوسر في خشوع

أقدم المعذرة والأسف . .

فقال أوزوريس مخاطبا الجالسين على كراسى الخلود: تسمح تقاليد المحاكمة لكم بالمناقشة ولكن في حدود الأدب وتذكروا جيدا أنكم قد تناقشون أناسا من ديانات أخرى جدت بعد دينكم!

ثم التفت إلى أبنوم وقال :

كان عهدكم عهد ظلام فلم لم يخلف وراءه أثرا ولا وثيقة؟

فقال أبنوم : 

- ذاك من فعل المؤرخين، لقد أقام الفلاحون حكومة من أبنائهم، حکمت البلاد فاستتب الأمن وانتشر العدل وامتد ظل الرحمة، شبع الفقراء وتلقوا العلم والمعرفة وتولوا أكبر المناصب، قامت دولة لا تقل في عظمتها عن دولة الملك خوفو. ولكنها لم تبدد المال

في بناء الأهرامات ولا في الحروب، و أنفقته في النهوض بالزراعة والصناعة والفنون وتجديد القرى والمدن ولما رجعت مصر بعدنا إلى عصر الملوك أحرقوا وثائق البردي المسجلة لأعمالنا ..

فقال الملك خوفو :

غابت عنك حكمة بناء الهرم.

وقال الملك زوسر :

وغابت عنك حكمة إعلان حرب لغزو بلد على الحدود .

فقال أبنوم :

كان شعارنا أن تربية فلاح خير من بناء معبد.

فقال الحكيم بتاح حتب :

نطقت بالكفر.

فقال أبنوم :

ليس الإله بحاجة إلى معبد ولكن الفلاح بحاجة إلى التربية!


#فلاحين_مصر

#نقاش_دوت_نت 


التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

7355
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.