من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

التفكير بالفلسفة ضد الفلسفة

القاهرة : " نقاش "
التفكير بالفلسفة ضد الفلسفة

كتاب ما هي الفلسفة - تأليف جيل دولوز وفليكس غتّاري


"ما هي الفلسفة" كتاب في هندسة المفهوم، هذا المعمار القائم دائماً على حوافي كل الأراضي الخوالي المجهولة، ولقد أراده صاحبه حقاً تاج المعمارة، حيثما يتوقف صعود المعمار، ويبدأ الكون. النص عامر بأسر متنوعة من المفاهيم الناقصة، شبه المنفتحة، المعروفة والمستحدثة. والنص يسترد ثروة الاصطلاح اللانهائي الذي تمرست به كتابة الفيلسوف في ثبات النصوص السابقة.

والدولوزي خاصة، لا تعريف له وينفر من التصريف. والطريقة الوحيدة لفهمه هي متابعة مسيرته والتقائه اختلافياً بعد كل حال تأويلية ينخرط فيها.


يخرج دولوز المفاهيم الرئيسة من تاريخ الفلسفة، ويخرجها من شائعتها المتداولة، ويفكك سيرتها الخاصة، خارجياً دائماً عن منهجية التفكيك عينه، ومع دولوز يصير الفلاسفة (نيتشه، كانط، لايبنتز، برغسون، فوكر...) غير أشخاصهم التاريخيين. ولذلك ليس كتاب (ما هي الفلسفة؟) مدخلاً لقراءة ثقافة الفلسفة، بل مصيراً لقراءة لا تنفك عن تغيير عناوينها ومفرداتها. ولذا لا بد من معلم قراءة الفلسفة مجدداً بدءاً من هذا الكتاب، وانطلاقاً منه إلى سواه.

ليس هذا فحسب، بل إن النقود والجماليات والنظريات في العلم والرياضة، تقدم مقاطع فجائية تخرجها كذلك من المعهود من أجهزتها المعرفية والاصطلاحية. كما هو مثلاً في إعادة تأويله لنظرية المجاميع للدالات الرياضية، وكما في تفلسفه المفهومي حول المصطلح الفني من موسيقى ورسم، وخاصة بنائه لنظرية متكاملة في نقد السرد الروائي، وطريقة احتفاله بالشعري.


نفيُ الفلسفة ضربٌ من التفلسف


  عمليةُ التفكير وظيفةُ العقل، العقلُ لا غير هو الحاكمُ على صوابِ أو خطأ نتائجِ أيِّ تفكير. لا العلم ولا اللاهوت ولا الأدب ولا الفن يضع حدودًا للعقل، لا يضع الحدودَ للعقل إلا العقل، إن كانت للعقل حدود. أيةُ محاولةِ نفي للفلسفة تتضمن التدليلَ على حضورِ الفلسفة في النفي مثلما تحضر في الإثبات. نفيُ الفلسفة ضربٌ من التفلسف، حتى الغزالي الذي حاول في "تهافت الفلاسفة" نفيَ الفلسفة أخفق،كما اعترف تلميذه أبو بكر ابن العربي بقوله: "شيخنا أبو حامد بلع الفلسفة، وأراد أن يتقيأها فما استطاع". الفلسفةُ لا تموت ولن تموت مادام هناك إنسانٌ يتساءل الأسئلةَ الكبرى حول المبدأ والغاية والمصير، ولا يجد جوابًا نهائيًا لها. 

إيقاعُ التقدّم المتسارع للذكاء الاصطناعي والروبوتات، والتكنولوجيات المتعدّدة التي تتحدث لغةَ #الذكاء_الاصطناعي وبرمجياته، والهندسة الجينية، وتكنولوجيا النانو، يخلقُ طورًا وجوديًّا بديلًا تعيد تكوينَه الأنماطُ المختلفة لصلاتِ الإنسان بالأشياء في المحيط الذي يعيش فيه، وصلاتِ الإنسان بالكائنات الحيّة المتنوعة في الطبيعة، وصلاتِ الإنسان بالإنسان. ينتجُ التقدّمُ المتسارِع حالةَ لايقين شاملة، تطول: القيمَ، والمعتقداتِ، والثقافاتِ، والاقتصاداتِ، والنظمَ السياسية، والسياساتِ المحلية والإقليمية، والعلاقاتِ الدولية، والعلاقاتِ الاجتماعية، وكلَّ شيء في حاضر الإنسان ومستقبله.كلّما تضخّم اللايقينُ واتسعت مدياتُه اتسعَت الحاجةُ لحضورٍ فاعلٍ للعقل الفلسفي. الأسئلةُ الوجودية الكبرى، وأزماتُ العقل والروح والعاطفة ليست من اختصاص العلم، ولا تقع في فضاء المادة والتجربة.

التشديدُ على العلم، واختزالُ العقل والمعقولات والتفكير بحدوده، يشاكس العقلَ الفلسفي، وينتهي إلى افتقار العلم إلى إجاباتٍ لأسئلته الحائرة ومشكلاته العويصة، وكلِّ ما لا يجد له حلًّا في فضائه وسياقاته وحدوده. تختنق المعرفةُ حين توضع في الفضاء الذي يخضع لحدود العلم الطبيعي ومجاله الحسّي خاصة، وحين تعتمد مقاييسَه وأدواته التجريبية ووسائله ومنطقه ولغته وأحكامه. تلك هي أدلجة العلم عندما يتحول العلمُ إلى "أيديولوجيا علموية" تعطّل العقلَ الفلسفي. حدود العلم الطبيعي وحقله يتمثلان في كلّ شيء في الطبيعة والكون المادي، الفلسفة لا حدودَ لها، بوصفها فعلَ تفكير عقلي يتجاوز الظواهر للبحث في حقيقة العلم وماهية المعارف والموجودات.

الفيلسوف يجيب عن سؤالِ المبدأ والمصير، والحياة والموت، وغيرها من الأسئلة الوجودية الكبرى، ويجيب عن كلِّ سؤال خارج العلم بالمعنى التجريبي. لا نهاية للفلسفة، يظلّ الإنسانُ يتفلسف مادامت الحياةُ والموت، وما دامت الأسئلةُ الوجودية التي لا تجيب عنها العلوم. ‌‏العلم غير الميتافيزيقا، كلُّ سؤال وجواب ميتافيزيقي بالإثبات أو النفي هو تفلسف خارج حقل العلم. عندما يقدّم أحدُ علماء الطبيعية أجوبةً عقلية للأسئلة الوجودية الكبرى، ينتقل تفكيرُه من حقل العلم إلى حقل الفلسفة بهذه الأجوبة. علاقةُ الفلسفة باللاهوت ديناميكية، فمثلما يتغذّى ويتجدّدُ اللاهوتُ بالفلسفة تتغذّى الفلسفةُ وتتسعُ آفاقُها وتتنوّعُ حججُها بالسؤال اللاهوتي. السؤالُ اللاهوتي يبحثُ عن يقينيات لا يظفر بها مهما توالدت الأجوبةُ وتواصلت الاستدلالات، إنه سؤالٌ مفتوح، وكلُّ سؤال مفتوح مَنجمٌ ثمين للتفلسف.كلّما ابتعد اللاهوتُ عن الفلسفة وقع فريسةَ تفشِّي اللامعقول وتغوّل الأوهام. لا يضع اللاهوتَ في حدوده ويمنع تغوّلَ الأوهام إلا الفلسفة، ولا يتجدّد اللاهوتُ إلا عندما يعيد النظرَ في الحقيقة الدينية ويتأملها بعيون فلسفية. لا تداوي الفلسفةُ جروحَ الروح والقلب، العقل الفلسفي مشاغب لمن يمتلك قدرةً ذهنية على إيقاظه بالتساؤل العميق حتى في البداهات. التاريخ والواقع يشهدان بأن الأذكياء جدًّا والعباقرة تعذِّب وعيَهم الأسئلةُ الوجودية الكبرى التي لا جواب نهائي لها، حياة كثير من الفلاسفة كانت تقلقها الأسئلة وتوالدها المتواصل من الإجابات.


من مظاهر افتقار الفلسفة لمعناها البدايةُ بمقدماتٍ فلسفية ومنطقية، بغيةَ ترسيخ اليقين بمسلمات لاهوتية. الفلسفة ضربٌ من التفكير العقلي خارج اللاهوت، لغةُ الفلسفة ومصطلحاتها تكشف عن خارطة العقل، وهي مرآةُ حدوده. لا تلتهم لغةُ الفلسفة ومفاهيمُها لغةَ ومفاهيمَ اللاهوت والمتخيَّل والمثيولوجيا واللامعقول. العقلُ معيارٌ وسلطةٌ على كلِّ ضربٍ من أنشطةِ الذهن مهما كان.

واحدةٌ من مشكلاتِ التفكير الديني التفكيرُ بالفلسفة ضدّ الفلسفة، والتحدث والكتابة بلغة تحاكي لغةَ الفلسفة إلا أنها ضدّ الفلسفة. يجري توظيفُ التصوف واللاهوت في الفلسفة، والتفكيرُ في فلسفة الدين بعقلٍ كلاميّ من شأنه أن ينقض كونها فلسفة،كما نقرأ لدى مَن يفكرون في التعدّدية الدينية بعقل متكلم، أو فقيه.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

7427
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.