من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

رؤية ذائقية لرواية " سلالم بوذية "للأديب معتز صلاح والأديبة هبه عبد الحكم

بقلم إيمان العسال
رؤية ذائقية لرواية

كشفت الرواية عن نظام دلالي محكم يجعل من الزمن والرمز والشخصيات أدوات لقراءة أعمق للتجربة الإنسانية 

فالعنوان لافت للنظر " سلالم بوذية " ، حيث أن السلالم هى التدرج في الوعي، كل درجة تمثل بالرواية زمانًا ومكانًا .

الوصف الدقيق للسلالم وما بها من التفاف وانحراف ، يؤكد ان الوعي لا يتقدم بطريقة مباشرة وأن هذا الإلتفاف ما هو إلا دورة المعاناة المستمرة .

غير أن تلك السلالم لا تقود لصالة واحدة ، فلكل قاعة السُلم الخاص بها حيث يقود لفضاء مختلف ، فالحقيقة مستويات .

سلالم بوذية أشبه بمتاهة معرفية بالأنا الإنسانية ، ليس ضروريًا أن نسير جميعًا في مسارًا واحدًا ، تعدد السلالم هو بالأحرى تعدد المسارات نحو الفهم.

البوذية هى فلسفة تحاول فهم معاناة الإنسان و السبب في تلك المعاناة ما هو إلا التعلق والرغبة ، كما تعمل البوذية على تحرير الإنسان من معاناته ، وهو ما حققته الرواية .

ليس سهلًا اختزال الرواية في كلمتين ليكونا عنوانًا لها ، عنوان أثار الفضول وخاصة بعد تحليله ، لقد تناولا الأديب معتز صلاح والأديبة هبه عبد الحكم الفكرة بأسلوب رائع جمعا بين اللغة الفصحى والعامية بطريقة لا تشعرنا بعدم الإرتياح .

انتقلنا معهما عبر الأزمنة والأمكنة بسلاسة دون ملل، كان لكل عصر لغته الخاصة دون تعقيد .

استطاع الكاتبان أن يصورا المعاناة النفسية والمادية لشخصية كارم ، ووصفوه وصفًا دقيقًا سواء بحركاته وصوت السلاسل ، وغير ذلك من التفاصيل الجسدية ، كان مشهدًا غاية في الدقة والروعة.

المفارقة التي صنعتها الرواية كشفت أن مَن يحاولون عرض الألم القديم،ليسوا خارج دائرة الألم ، فالمسرح الذي يعد ساحة للتأمل ، تحول تدريجيًا إلى مرآة للحاضر.

الشخصيات القديمة لم تعد شخصيات تاريخية ، بل تحولت لنماذج رمزية للإنسان في كل زمن ، وعندما يحاول المعاصرون إعادة تجسيد تلك النماذج، يكتشفون إنهم يعيدون تمثيل ذواتهم .

الخلاصة أن دائرة المعاناة مستمرة ، ورغم تغير الزمن إلا أن الصراع ذاته بين الرغبة والضعف والخوف والبحث عن معني مستمر.

اللافت للنظر أن الأسماء أُختيرت بعناية ، خاصة اسم "عادل" والتي كانت تناديه سندس بالعادل ، هنا تحول من اسم إلى لقب اخلاقي .

"فكري " يُحيل إلى العقل والتفكير وهو بدوره يدعو للتأمل ، العقل قد يكون قادرًا على إنقاذ الإنسان من الألم.

أما عن "سندس" ارتبط في الدين الإسلامي بلباس أهل الجنة فهو يحمل الطُهر والرقة ، وهنا السؤال الذي يفرض نفسه هل الرقة تستطيع مواجهة الواقع السيء؟

"لؤلؤة " الصورة الجمالية في الثقافة العربية رمزًا للقيمة ، لكن ليس كل ما هو جميل قيم  

" كارم " مشتق من الكرم والعطاء ، لكن تُرى هل كان له نصيب من اسمه ؟، المفارقة عندما لم تتطابق الشخصية تمامًا مع الدلالة الأخلاقية.

اعتمدت الرواية على القطع السردي الذي ربما يربك أحيانًا، لكن سرعان ما نعود وندرك ما تصورنا أنه أربكنا.

أما عن اختيار ساحة فضاء أبو الهول والاهرامات ليكونا مأمن ، أراه مناسبًا جدًا.

أبو الهول بوصفه جسد حيوان ورأس إنسان يمثل التوتر بين الغريزة والعقل ،أما الأهرامات لم ترمز للحكمة فقط ، بل ارتبطت بالموت ، الرواية لمحت لإستدعاء الموت ، بل وألحت بأن ما يمنح الإنسان الأمان هو الموت وليس الحياة.

وعلى الرغم من ارتباط الأهرامات بالموت إلا إنها من الأماكن الأكثر قدرة على مقاومة الفناء باعتبارها الحضارة التي تؤمن بالخلود.

وفي النهاية أؤكد أن ما منح هذا البناء قيمته أن الكاتبان لم يقدما أفكارهما في صورة مباشرة أو تقريرية ، بل تركاها تتشكل عبر الرموز والمفارقات والتقاطع بين الأزمنة .

أيضا تجلت قوة العمل في قدرته على الجمع بين البعد الحكائي والبعد الفلسفي ، بحيث لا يبقى النص مجرد سرد لأحداث ، بل محاولة لملامسة التجربة الإنسانية .

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

7466
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.