من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

رائحة الزعتر " قصة قصيرة "

سوزان كمال
رائحة الزعتر


في الصباح هاتفتني ثناء القادمة من رام الله في إجازة قصيرة إلى القاهرة، أخبرتني أنها تحمل لي كيسًا من الزعتر هدية من صديقي الشاعر الفلسطيني الثمانيني. ابتسمت لأنني كنت قد تلقيت بالأمس كيس زعتر سيناوي من صديقتي التي قضت إجازتها بين جبال دهب وسحرها.

في المساء زارتني ثناء وابنتها جولان، وبعد العشاء تناولنا أكواب الزعتر وتبادلنا حكاياته وأساطيره.

انصرفت ثناء وجلست أتأمل حبات الزعتر، أخضره البهي.

أحضرت إناءً كبيرًا، أخذت أخلط الزعتر الرام اللي بالزعتر السيناوي، أقلبهما، أستمتع بالرائحة العطرية التي تتخللني، أغمض عيني، أستنشق وأروح مع رائحة الزعتر بعيدًا.

في الصباح قسمت الزعتر في كيسين، قلت: أترك واحدًا في البيت وآخذ الثاني معي إلى عملي.

فتحت باب سيارتي، وضعت كيس الزعتر على الكرسي المجاور، يميني.

أقود السيارة وأندهش إذ أرى حبات الزعتر تلَّوح لطيور بيضاء واقفة على أوراق أشجار خضراء والتي تشير  لطيور أخرى في السماء تتناثر ملونة، فتهبط طيور السماء، تدنو من طيور الشجر

وتتجمع كلها على زجاج سيارتي الأمامي، ابتسم لهم، أفتح  الشباك فيدخلون مزقزقين ويجلسون على الكنبة الخلفية كأطفال في الطريق إلى نزهة. وحبات الزعتر تتقافز لتجلس بجوارهم.

أعبر الكوبري، النيل على يساري، أشرعته البيضاء تقترب، تفرد كفيها ارجوحة للطيور والزعاتر التي تطير نحو الأشرعة ببهجة، تتأرجح عليها وكلما أشرت لهم أن ( ياللا) ح اتأخر على شغلي، يتوسلون لأمنحهم دقائق إضافية.

يقتربون من بائعة المناديل، يتهامسون ثم يجذبونها من يدها ويمرحون لأرى وجهها للمرة الأولى مشرقًا بابتسامة خضراء.

أصل إلى عملي، استأذن الطيور والزعتر  في غياب ساعات.

أهمس لهم: مش عايزة شقاوة!

تنتهي ساعات العمل، بهجة ومرح يكسوان يومي.. أقترب من سيارتي، البنايات خضراء، اللافتات، الإسفلت أخضر، والسائس الذي يظهر دائمًا محني النظرة، يقف رافعًا رأسه، والغريب جدًا أن رأيت وسمعت الخادمة التي أموت شفقة على انكسار روحها أمام صوت سيدتها الغليظ، أسمعها الآن  ترد إهانات السيدة بجرأة، بل وتهددها بترك العمل.


أفتح سيارتي، رائحة الزعتر تملؤها كأنها صارت حديقة.

أتنفس بعمق وأنا أتطلع إلى السماء وأبتسم لسر جديد من أسراره..

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

7509
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.