من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

​تصدع الهيبة: كيف تحول "البيت الأبيض" من قلعة للمؤسسات إلى منصة للاستعراض؟

بقلم أحمد لملوم
​تصدع الهيبة: كيف تحول



​لا يمكن قراءة ظاهرة دونالد ترمب كفترة رئاسية عابرة في سجل التاريخ الأمريكي، بل هي "هزة ارتدادية" ضربت جوهر العقد الاجتماعي والسياسي الذي قامت عليه الولايات المتحدة منذ آبائها المؤسسين. الإهانة هنا لم تكن في الخصومة السياسية، فالسياسة تحتمل الخلاف، لكنها كانت في "نحت القيمة" وتسخيف الرمزية السيادية للدولة العظمى، وتحويلها من "نموذج" يُحتذى به إلى "فرجة" عالمية يختلط فيها السياسي بالسيرك الاستعراضي.


​أولاً: ابتذال الخطاب وهدم "الوقار الرئاسي"

​أولى طعنات الإهانة وجهها ترمب لمنصب الرئيس ذاته. فمنصب رئيس الولايات المتحدة لم يكن يوماً مجرد وظيفة إدارية، بل كان يمثل "ثقل الكلمة" وهيبة القرار.

حين استبدل ترمب الدبلوماسية الرصينة بـ "تغريدات" الفجر المتلاحقة، المشحونة بالألفاظ النابية والنعوت الصبيانية لخصومه (مثل "جو النعسان" أو "الصاروخ الصغير")، فإنه لم يهن الأشخاص فحسب، بل أهان اللغة السياسية الأمريكية. لقد جعل من "البيت الأبيض" مصدراً للضجيج بدلاً من أن يكون مصدراً للرؤية، مما أفقد الحلفاء والخصوم على حد سواء الثقة في "ثبات" الموقف الأمريكي، الذي صار رهيناً لمزاجية لحظية لا تحكمها مؤسسة أو منطق دولة.


​ثانياً: "الحقائق البديلة" وتجريف الوعي الجمعي

​لقد كانت الإهانة المعرفية للشعب الأمريكي وللعالم هي الأشد قسوة. عبر تبني مفهوم "الحقائق البديلة"، شن ترمب حرباً شعواء على الحقيقة المجردة.

حين تُكذب التقارير الاستخباراتية، وتُهاجم المؤسسات العلمية، ويُعتبر الإعلام "عدواً للشعب"، فإنك لا تمارس السياسة، بل تهدم "مرجعية الدولة". هذه الممارسة أدت إلى انقسام عمودي حاد في المجتمع الأمريكي، حيث لم يعد هناك "واقع مشترك" يجمع الناس، بل جزر منعزلة من الكراهية والشك، مما جعل أمريكا تبدو في مظهر الدولة المتخبطة التي لا تملك بوصلة وطنية موحدة.


​ثالثاً: الانكفاء الأناني وكسر "التحالفات المقدسة"

​على الصعيد الدولي، تجلت الإهانة في أسلوب "الخاوة السياسية" الذي اتبعه مع الحلفاء التقليديين. بشعاره "أمريكا أولاً"، الذي فُهم عملياً على أنه "أمريكا وحدها"، أهان ترمب عقوداً من الالتزامات الأخلاقية والسياسية.

​انسحابه من اتفاقيات المناخ (باريس) واتفاقيات التجارة والاتفاق النووي، لم يكن مجرد قرارات سياسية، بل كان رسالة للعالم بأن "كلمة أمريكا" لا قيمة لها مع تغير الساكن في البيت الأبيض.

​معاملته لقادة أوروبا والناتو كـ "موظفين" في شركته الخاصة، وابتزازهم بالمال مقابل الحماية، جرد أمريكا من عباءة "القيادة الأخلاقية" للعالم الحر، وحولها إلى "تاجر سلاح" يبحث عن الربح السريع على حساب الاستقرار الاستراتيجي.


​رابعاً: زلزال الكابيتول.. الطعنة في قلب الديمقراطية

​تظل لحظة 6 يناير (اقتحام الكابيتول) هي "الإهانة الوجودية" الكبرى. أن يقف رئيس على رأس السلطة ليحرض الغوغاء ضد مؤسسته التشريعية، ويشكك في نزاهة الصناديق دون دليل، هو اعتراف صريح بأن "الأنا" الفردية لديه تعلو فوق "الدولة".

تلك الصور التي نُقلت للعالم، لأشخاص يعبثون بمكاتب الشيوخ، كانت إعلاناً بسقوط "النموذج الأمريكي" الذي طالما تفاخرت به واشنطن. لقد أهان ترمب التاريخ الأمريكي حين جعل من "انتقال السلطة السلمي" – وهو أقدس ما تملكه الديمقراطيات – محل شك ونزاع دامٍ.


​الخلاصة: هل هي ندوب دائمة؟

​إن إهانة ترمب لأمريكا لم تكن في بناء جدار على الحدود أو في فرض ضرائب جمركية، بل كانت في "تحطيم الصورة الذهنية". لقد ترك خلفه دولة مثخنة بجراح الانقسام، وحلفاء يشعرون بالخديعة، ومؤسسات تحاول استعادة عذريتها السياسية.

​لقد أثبتت حقبة ترمب أن قوة الدولة لا تقاس فقط بترسانتها النووية أو نتاجها المحلي الإجمالي، بل بقدرتها على الحفاظ على "رصانتها" واحترام قوانينها الداخلية قبل الخارجية. وما حدث كان درساً قاسياً في كيف يمكن لشخص واحد، بأسلوب "الشعبوية الفجة"، أن يبعثر هيبة إمبراطورية بُنيت على مدار قرنين.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

7514
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.