من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

هابر ماس والدين

خلدون النبواني
هابر ماس والدين

‏وفاة الفيلسوف الالماني يورغن هابرماس 1929-2026

علمت قبل قليل ان الفيلسوف والسياسي الالماني هابر ماسJürgen Habermas ، توفي في مدينته ستارنبوغ في المانيا يوم السبت امس 14-3-2026 عن عمر يناهز ال (96) وهوصاحب كتاب (نظرية الفعل التواصلي )ويقع في مجلدين وفيه اكد اهمية الكلمة المكتوبة على الكلمة المنطوقة . الكتابة مهمة وفيها هدف ، وهدف سام .

بمناسبة رحيل هابرماس استعيد هذا النص من كتابي »الحداثة المحافظة»


هابرماس والدين. 


بعنوان فرعي حمل اسم "ترجمة المحتوى الدينيّ بالتشارك"، يعمل هابرماس على الإعلاء من شأن الحس السليم على المعرفة العلمية للعلوم الطبيعية التي لا تتوهم فحسب قدرتها على امتلاك الحقائق، أو أكملها على الأقل، وإنما تلك التي راحت تطمح للتدخل بعملية الخلق عبر التغيير الجيني. يسمي هذه النزعة العلموية ﺑ "الإيمان العلموي" وينعتها بسخرية حادة ﺑ "الفلسفة السيئة مؤكداً: "إن الإيمان العلمويّ بعلمٍ – والذي قد لا يكتفي في المستقبل بمجرد إكمال الفهم الشخصيّ للذات عبر الوصف الذاتي المموضِع objectivant، وإنما الذي قد يعوّض الأول بالثاني أيضاً – هو ليس من العِلم في شيء. إنه ليس سوى فلسفة سيئة."     

يرى هابرماس إذن أن العلم ولغته واكتشافاته يظل أقل من إشباع القدرة عن التعبير عن الحقيقة الإنسانية التي تذهب أبعد من مفردات العلم وتصوراته، وإن الحس السليم أو الحس المشترك Der commonsense هو أكمل من تصورات العلم فهو، بحسب هابرماس، "يؤكد في وجه العلوم بنيةً للتصور تستجيب لمنطقها الخاص." وهو إذ يضع الحس السليم فوق العلم من جهة فإنه يمايزه عن الدين من جهة أخرى.

وإذ يتضمن كل دين من الأديان منظومة حقيقة مطلقة، تُخالف غيرها حد الاقتتال الدينيّ وهو ما أكده تاريخ صراع الأديان والآلهة، يسعى هابرماس من طرفه لإيجاد خلفية تعايش مشترك وحوار متبادل لأديان متعددة في فضاء عموميّ مفتوح دون إقصاء وعلى قاعدة من المساواة والاعتراف.

لكن هذا الطموح تضمنه أصلاً الدولة العلمانية الحديثة فما الجديد الذي يريده هابرماس إذن؟ في الواقع إن مفكرنا مقتنع أن الدولة الأوروبية الحديثة قد قامت، في سيرورة الدمقرطة والعلمنة التي مرت بها، بإقصاء المتدينين أو هي تمارس شيء من التمييز بحقهم على الأقل في النقاشات العمومية المفتوحة وهو يريد أن يعيد لهم هذا الحق المُستلب المزعوم.

يجد هابرماس أن المتدينين غير مرحب بهم في الفضاء السياسيّ العام وإنهم مضطرون لتبني خطاب غير ديني ليتم قبولهم فيه، بينما يريد هو أن يُرحب بهم لا كمواطنين متدينين فقط، وإنما بتصوراتهم الماورائية وبلغتهم الدينية وآراءهم ذات المرجعية الغيبية دون أن يضطروا للفصل بين معتقداتهم ورؤاهم ومواقفهم السياسية.

فالفضاء العام السياسيّ يجب أن يكون مفتوحاً للجميع بحسب هابرماس الذي تستند مرافعته على الحجة الآتية: "ليس على الأكثرية المُعلمَنة [...] أن تستخلص أي نتيجة قبل أن تصيخ السمع بانتباه لاستنكار خصومها المتدينين الذين، سيشعرون بالجرح في قناعاتهم الدينية إن ظلت آذان العلمانيين صماء عنهم. وعلى هذه الأكثرية المُعلمنة اعتبار هذا الاستنكار فرصة تسمح لها أن بالتعلم من المتدينين.

ثم ينطلق يعدها باسترسال وحمية، أشبه ما تكون بالحمية الدينية في الدفاع عن الدين (ما قبل الحداثي) ليس فقط مقابل العلموية والوضعانية المعرفية وإنما مقابل الفلسفة نفسها معتبراً أن هناك نقصاً تعانيه الفلسفة اليوم "فعندما أصبحت الخطيئة خطأً، وعندما أصبحت خيانة الوصايا الإلهية تجاوزاً للقوانين البشرية، فهذا يعني أن شيئاً ما قد فُقِدَ." ولكن كيف يمكن تعويض هذا الفقد الحاصل الذي لا تستطيع الفلسفة الحالية ولا العلوم المعاصرة ولا نظريات العدالة والأنساق الأخلاقية الحديثة ملأه أو تعويضه فإن جواب هابرماس هو الآتي: "في هذه اللحظات يبدو أبناء وبنات الحداثة غير المؤمنين مقتنعين أن عليهم دَيناً كبيراً أحدهم إزاء الآخر، وأنهم هم أنفسهم في عوز كبير تعوزهم الإمكانيات لبلوغه ليستطيعوا ترجمة التقليد الديني – الذي يبدو وكأن محتواه الدلالي لم ينضب بعد." ولو تساءلنا ما هو هذا العوزالذي يعنيه هنا ويعاني منه بنات وأبناء الحداثة؟ فجواب هابرماس باختصار ووضوح هو الدين. هكذا وفي بحثه عن حل للخروج من مأزق روحي لحداثة أفقدت العالَم سحره بعد أن قتلت آلهته، يرجع هابرماس إلى البحث في ما ورثته الفلسفة من الدين في الماضي اللاهوتي قبل الحديث الذي ترجمت الفلسفة لغته الماورائية إلى لغة معيارية وضعية معقلنة.

وعليه فإن الماضي مرة أخرى وأخرى هو من يحدد وجهة هابرماس لما قد يبدو للوهلة الأولى سعي منه لإنقاذ الحاضر لمجتمعات مابعد علمانية ولفلسفة ما بعد ميتافيزيقة. لكن، وككل مرة، بدل البحث في أفق جديد يفتحه المستقبل والتقدّم يسعى هابرماس لتوسل الحلول من الماضي. وهو هنا يعمل على استعادة ماضٍ غيبي، وظلامي غالباً كانت الحداثة الغربية قد ناضلت طويلاً ضد دوغمائيته وظلاميته لتتجاوزه، فتجاوزه كان شرط ولادتها.


#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

7516
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.