من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

ريم " قصة قصيرة "

سوزان كمال
ريم


كانت جميلة، حنونًا، وكنت حزينًا، جائعًا، مشردًا، وقلقًا.

أريد أن أهرب منها لكن عينيها الصافيتين ظلتا تجذباني فأذوب في عمقهما، في أبعد نقطة، مستسلمًا لنقائهما، ملقيًا كل همومي في واحتهما مبتعدًا عن الكون كله.

وحدها ريم تستطيع أن تنزع النور من أنياب الظلام، تستولد الحياة من رحى الموت.

في حضرة ريم تجد نفسك على الحافة بين الواقع والخيال و رويدًا رويدًا تسحبك إلى عالمها، فلا حروب، ولا جوع ولا خوف ولا ألم ولا ظلم..

كنت أتأملها متعجبًا كيف تحيل برد الغربة دفئًا؟!


ريم و الخيال صديقان .. أعرفها حين تلمع عيناها، تتسعان، وتكسو نبرات صوتها بحَّة أعشقها. وقتها أعرف أن الحدود الفاصلة بين الواقع والخيال قد سقطت، تلاشت تمامًا أمام سطوة أحلام ريم، وأنني بصدد التحليق في فضاءات براءتها المدهشة.


تحكي ريم فتسيل الأماكن، تختلط الأزمان، نعود ونسود. تجذبني من يدي لزيارة صباحية إلى القدس، نجلس على مقاعده، نتلمس أحجار الحائط الغربي، نصلي في المسجد الأقصى، تلوح بأصابعها أمام عينيها وهي تصف لي لُمعة قبة الصخرة الذهبية تحت أشعة الشمس.

نلهث ونحن نصعد جبل الزيتون وتتهكم على ضعف لياقتي، تبتهل في الحرم القدسي وتتمتم هامسة لمريم بكلمات، وهي تقودني إلى كنيسة القيامة وتهم بالجري من أجل البحث عن مخطوطة تركها ستيفان ميلوفيتس. تجلس وقد هدأ صوتها، تتذكر تطوافنا في البلدة القديمة، ثم حيفا، يافا، بيت لحم، الخليل، ونابلس. تمسد شعري بيدها وهي تهمس: اِحْكِ لي عن نابلس، أحكي وينقلب الخيال يا ريم إلى حقيقة مباغتة، إلى دموعك ونشيجك.


كنتُ نحيلًا ووحيدًا في القاهرة الواسعة، الضيقة كثقب إبرة. طالب بكلية الطب قد ترك نابلس للتو في ليل ابتلع كل صباح وفرض قسوته على الحياة. أحمل حقيبتي وكتبي وذاكرة مثقلة بالذكريات.

وكانت ريم بملابس الحداد السوداء وجهها يقطر حزنًا نبيلًا، هادئًا. حتى في حزنكِ رقراقة كالمياه يا ريم!


يومها جلستِ بجواري بكامل أجنحتك، وطيورك المنطلقات. ربما قادكِ حنانُك إلى غريب لم تلتئم جراحه. يومها سألتِني عني بطفولتك الغضة وأجبتُكِ، وسألتُكِ عنكِ بملء صحرائي وأجبتِني. كان موت أبيكِ حدثَ حياتك الأكبر وكانت فلسطينيتي وجعي. يومها مددتِ يدك فصرتِ تميمتي، ملتُ برأسي على كتفك لا أدري كيف ولا كم من الوقت مر؟! ومن يومها صرتُ اثنين يا ريم، لم أعد ذلك الوحيد الذي فقد الثقة بكل جحور الأرض وحددَ لنفسه هدفًا واحدًا وأغلق بوابة العالم على كل ما سواه. كنتُ كلما تسللتْ إليّ جراحي صعدتُ تلالك العالية واختبأتُ. طفلان نسكن حياة جديدة، مزهرية من عطرك، نتسلق الأشجار، نرمي بعضنا بالنور والأماني، نضحك فلا أشعر أن ضحكاتي تخون آلامي. تزداد بحة صوتك وتتحول عاديتي إلى وسامة.

يومها قلتُ لكِ: لا أعرف أين سأقضي ليلتي يا ريم. رحل أصدقاء السكن ولم يكن بمقدرتي احتمال دفع الأجرة كاملة. شردتِ قليلًا، ثم أشرتِ لي بنعومتكِ المتحمسة: هيا.

صعدنا سُلمَ البيت القديم في الحارة الضيقة. طرقتِ الباب بينما تهدهدين قطة ناعسة أمامه. فتحتْ البابَ لنا سيدة، صورة منك يا ريم لكن هالتين سوداوين تحت عينيها وعلامات زمن فوق جبينها تقول إنها أمك.

كانت مثلكِ رقيقة كحكاية ليل شتوي طويل ينتصر فيها الصباح.

وضعتْ الطعام وأرغفة الخبز على منضدة مغطاة بمفرش وردي قديم.


وبدأتِ تحلمين يا ريم، تتحدثين عن حجرتين، فهمتُ أنهما في سطوح البيت. تردد أمك بخجل: (مش قد المقام يا بنتي). تصممين كعادتك، تعرفين أنك تمتلكين سحرًا سوف يجعلهما (قد المقام).

نصعد بعد غداء أمك الطيب. وأراكِ من جديد بكامل نشاطك، وصوتك، وإلهامك. أتأملكِ وأنت تزيلين أتربة الجدران وروحي، أسرق النظرات، أتمتم في نفسي: عظيمة أنت بوجداني يا ريما. عظيمة رفيقة وحبيبة وسمسارة حُجرات فوق السطوح!!

صرنا جارين، أي سعادة تلك التي لم تكن بالحسبان؟!

تصعدين لي بالطعام ودلالك وكل ما في الحب من وجد. وقد أيقظتِ كل جوعي، كل رغباتي وافتقادي واشتياقي. لا أعرف هل أحبك أكثر؟ وهل هناك أكثر؟ أم أعتذر لأنك دائمًا ما تمنحين؟ تتطلعين إليَّ مستنكرة كأنكِ قرأتِ ما يمور بروحي: ألا تعلم أنك طفلي؟ طفلي المدلل؟!

أي طفولة يا حبيبتي؟ قد نهشوها، كانت كلمة طفولة وحدها كافيةً لأن تجعلني أغلق الباب خلفكِ وأستسلم لدوامة بكاء كبيرة.

ذات صباح قررتُ أن أشتري هدية لكِ من المبلغ القليل الذي يرسله لي أبي. احترتُ، فسألتكُِ، أجبتِ مبتهجة: ديوان شعر، أريد ديوان شعر.

انطلقنا في شوارع وسط القاهرة. قبَّلتُها نهارًا وسط ضجيج الناس في الشوارع المزدحمة، بدهشة صرختْ: كيف تقطف الأفكار من ذهني؟!

ضحكنا وسرنا متشابكي الأصابع، يملأ كلانا الآخر بنظراته والمحبة، وتتوهج الحياة في داخلي كما لم تتوهج أبدًا. يذوب الأسى في الفرح وتتحول الأمنيات المستحيلة معكِ إلى هينات، سهلات المنال. 

نمشي على كوبري قصر النيل، يحرك الهواء خصلات شعرك فتتساقط منه نجومك الملونة. تحدقين بوجهي، تسألين: هل تحبني؟ 

أجيب بصوت متقطع: أحبكِ بكل طاقة الحب على الحب، لم أحب في حياتي غيرك يا ريم. تخفضين عينيكِ. أضع أصابعي تحت ذقنك، أرفع وجهك، تغمضين عينيك، أرجوكِ أن تفتحيهما؛ لتستيقظ الأسماك وتنتشي وردات النيل، ليسطع الضوء وأرى الشمس والحكايات والموسيقا والشجر والشعر والصفاء والوطن الحر. تبتسمين بخجل فيصير نهارنا وردًا يا ريم. تقترب منك طفلة تحمل الزهور، تشتري منها زهرتين. تفرحين كطفلة وأنتِ تضعين إحداهما في شعرك وتسألين هنا أم هنا؟ أقول: هنا. لا تكترثين، تضعيها كيفما حلا لكِ. تفتحين ديوان الشعر وتضعين الزهرة الثانية به. أقول: ستموت مختنقة. تمسكين يدي، تعيدين شبك الأصابع، تنظرين إلى النيل بسحرك الآسر وتتمتمين: لا.. لن تموت إلا إذا ماتت الحياة.

أدخلتُ أصابعي في شعرك، فأغمضتِ عينيكِ، ومِلتِ برأسكِ على صدري دون مبالاة بأحد وظللتُ أنا واقفًا لا أتحرك، أشعر أني أحرسك، أحرس نجماتك وأحلامك وتميمتك على صدري. تغرب الشمس علينا، يقبل الليل علينا.. آه لو يتوقف الزمن قليلًا. ترفعين رأسك، تزيحين خصلات شعرك أراك مشرقة كفجر يتنفس. نهار ينحدر مع النهر. شامة على وجه الحياة.

تسألين: هل يمكن أن نفترق، أن تتركني؟

أجيبك: إذا أردتِ أن نفترق رُدِّي عليّ قلبي أولًا. تبتسمين وأردد قول امريء القيس: 

وإن تكُ قد ساءتكِ مني خليقةٌ

فسُلّي ثيابي من ثيابكِ تَنسُلِ..


تضحكين فأزيد:

وما ذرفتْ عيناكِ إلّا لتضربي

بسهميكِ في أعشار قلب مُقتَّلِ


تمر سنواتُ فيضكِ يا ريم، سنوات الغربة التي نسجتِها وطنًا.

نقضي سنة الامتياز معًا وسط المرضى البسطاء، أرى دموعك التي تحاولين اخفاءها. أنظر إليكِ من خلف الزجاج وأنتِ تفردين ذراعك، تمنحين دمك عطايا لمن يتجمعون هنا من شتى أنحاء الفقر والعجز وقِصر ذات اليد.

لَكَم أحبكِ يا ريمي!

تمر السنوات وتكون عودتي إلى نابلس قدرًا وواجبًا لا مفر منه .

آه يا غربتي الدائمة!

أصمتُ، يطول صمتي. تبتسمين ابتسامة أُم تعرف الجانب الخفي من كل أفكار أطفالها. تمسكين يدي بحنو فتتساقط زهورك الخضراء أمامي: سأسافر معك.

أترنح مذهولًا: هل تمزحين؟! وأمك، لمن تتركينها، والحرب، و..و..و ..

وقبل أن أكمل كلامي تضعين يدكِ على فمي.

هنا، كلنا أهل. الحارة كلها سترعى أمي. سنعيش في نابلس معًا وننجب أطفالًا ونعمل ونداوي..

صرختُ: توقفي عن أحلامك يا ريم، اتركيني؛ ربما أستسلم لراحة اليأس، أرجوكِ .. يومها اقتربتِ مني، لمستِ تعويذتك في صدري فقبلتُ يا ريمة. ودَّعتْنا حارتُكِ الطيبة كلها. تحملنا مشقة السفر ونقاط التفتيش البغيضة، أغضب إذ يلمسون ملابسك، قلبي يتمزق غيظًا وأنت تربتين بكفك النديّ على خاطري.

وصلنا نابلس، لم يدهشني أن أَحبكِ كل من رآك. وأن أصبح لك عائلة وأصدقاء وأحبة خلال أيام. وعشنا يا ريم، عشنا كل متعة الحب ولذته ونشواته. كنتُ سعيدًا أنني معكِ أصبحتُ اثنين وصرتُ سعيدًا يوم أصبحنا واحدًا. جسد واحد وقد حملتِ بين أحشائك ثمرة حبنا يا ريم.

هل كان ضروريًا أن تدوي صفارات الحرب؟ أن يعم الظلام والبرد والخوف، أن يصفعني الألم الدفين، يردني إلى حقيقة أن السعادة ضيف خفيف. 

ألا أموت ولا أحيا يا ريم. وقتها كنتِ تغالبين الصراخ، تكتمين آلام مخاضك. وقتها خلتْ كل أسرَّة المستشفى من مكان لك. وأنا أصرخ كالغجري، أسابق الزمن المرعب بين حديّ الموت والحياة: ريم ستموت، أصيح ولا أحد يسمع إلا دوي آلة الحرب. أستغيث وتنغلق كل أبواب العالم في وجهي وتفتح الحرب أبوابها..

أنظر في عينيك، أسمع صوت ابنتنا، تنزفين، تنتفضين، ووجهك الشاحب يحاول أن يبتسم. أتوسل إليكِ: لا تموتي.

تقولين بوهن: لن أموت إلا إذا ماتت الحياة.

أحمل طفلتي إلى بيتنا، أكبر وتكبر معي.

أحمل في يدي ديوان الشعر، أفتح صفحته التي تسكنها وردة قد صبغت السطور بحمرتها. أرفع الوردة وأقرأ يا ريم، أقرأ وأراكِ، أقرأ وأرى حياتنا. أقرأ وألمس تعويذتك في صدري وأتلمس دفأها. أغمض عيني أسمع صوت عطرك. تحملني مياه النهر حانية يا ريم نحوك، نحو الحياة..

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

7531
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.