الرؤيا والغياب في دراما رمضان 2026
إن العلاقات الإنسانية مهما بلغت من التماسك، تبقى عرضة للتصدع تحت ضغط التحولات الاجتماعية والاقتصادية والنفسية، ومن بين هذه العلاقات علاقة الزواج التي باتت أبرز العلاقات تحولًا مفضيًا إلى الطلاق، وفي السياق المصري المعاصر برزت مسألة رؤية الأب لأطفاله بعد الطلاق بوصفها من أكثر القضايا إثارة للنقاش والجدل، في المجال القانوني والثقافي والإعلامي أيضًا، وقد انعكس هذا الجدل بوضوح في دراما رمضان 2026 التي جعلت من هذه المسألة محورًا في عدد من الأعمال مثل مسلسل (كان يا ما كان) ومسلسل (أب ولكن) ومسلسل (المتر سمير – محامي أسرة)، حيث تحولت قضية الرؤية من مادة قانونية جامدة إلى مادة درامية مشحونة بالتوتر الإنساني.
تكشف هذه الأعمال عن وعي درامي متزايد بأن الطلاق ينشئ عند لحظة الانفصال شكل آخر من الصراع، صراع يتخذ هيئة هادئة ظاهريًا لكنه عميق الأثر في بنية الأسرة، حيث إنه في كثير من الحالات- إن لم يكن أغلبها- يتحول الطفل إلى محور النزاع كله، إذ تتقاطع عنده مشاعر الأبوة والأمومة والحقوق القانونية والمرارات الشخصية، ومن هنا جاءت معالجة هذه المسألة دراميًا بوصفها مأساة إنسانية تعقب الخلاف الإجرائي، فمسلسل (كان يا ما كان) وهو مسلسل اجتماعي إنساني من تأليف شيرين دياب وإخراج كريم العدل، وبطولة ماجد الكدواني ويسرا اللوزي إلى جانب عارفة عبد الرسول ونهى عابدين ويوسف عمر وعدد من الممثلين الشباب، وقد تناول المسلسل قصة أسرة تتعرض لأزمة عاطفية بعد سنوات طويلة من الزواج، حين تقرر الزوجة طلب الطلاق بحثًا عن حياة مختلفة، فتبدأ سلسلة من التوترات النفسية والقانونية التي تعيد تشكيل العلاقة بين الزوجين وبينهما وبين طفلهما.
ويعرض العمل أزمة الطلاق بوصفها تفككًا بطيئًا للعائلة، حيث يجد الأب نفسه في مواجهة واقع جديد يفقد فيه حضوره الطبيعي في حياة ابنته، فيتحول اللقاء بينهما إلى لحظة محدودة بالوقت والمكان، أشبه بموعد رسمي أكثر منه علاقة عاطفية ممتدة، هذا التحول من الأبوة اليومية إلى الأبوة المؤقتة يشكل في العمل أحد أكثر عناصره الدرامية إيلامًا، لأن الدراما تركز على الأثر النفسي الذي يخلقه هذا الوضع في الأب والطفل معًا.
أما (أب ولكن) من تأليف ياسمين أحمد كامل (قصة وسيناريو)، بمشاركة ماريان هاني ونهال سماحة وضحى إبراهيم في الكتابة، ومن إخراج ياسمين أحمد كامل، وبطولة محمد فراج وركين سعد وهاجر أحمد... وغيرهم، ويميل إلى تعميق الجانب النفسي للمسألة، إذ يرسم صورة أب يحاول أن يحافظ على دوره الرمزي في حياة ابنته رغم القيود التي يفرضها الواقع القانوني والاجتماعي، يحاول العمل أن يكشف هشاشة الطرفين (الأب والأم) معًا، فكل منهما ضحية علاقة انهارت ولم يعد ممكنًا إصلاحها، غير أن الطفل يظل الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، لأنه يعيش بين عالمين منفصلين، ويحاول أن يصوغ لنفسه شعورًا بالأمان في ظل واقع عاطفي متشظٍ.
في المقابل نجد مسلسل (المتر سمير – محامي أسرة) من تأليف ورشة فنية تضم ممدوح متولي ومصطفى عمر وفاروق هاشم، وإخراج خالد مرعي وبطولة كريم محمود عبد العزيز وناهد السباعي الذي يتخذ مسارًا مختلفًا، إذ يقترب من القضية من زاوية قانونية شبه توثيقية، حيث يتحول مكتب محامي الأسرة إلى مسرح تتجاور فيه قصص متعددة لآباء وأمهات يواجهون المشكلات نفسها بأشكال مختلفة، هذه البنية السردية القائمة على تعدد الحكايات تكشف أن المشكلة ظاهرة اجتماعية واسعة، وأن ما يبدو في الظاهر نزاعًا بين شخصين هو في الحقيقة انعكاس لبنية اجتماعية وقانونية معقدة، ومن خلال هذه النماذج المتكررة يكتسب العمل طابعًا أقرب إلى السجل الاجتماعي الذي يوثق التحولات التي أصابت مفهوم الأسرة المعاصرة.
ورغم اختلاف الأساليب الفنية بين هذه الأعمال، فإنها تشترك في تقديم رؤية نقدية للواقع الاجتماعي، إذ تكشف عن التوتر القائم بين النص القانوني والواقع العاطفي، فالقانون يسعى إلى تنظيم العلاقة بعد الطلاق من خلال إجراءات محددة مثل الحضانة والرؤية، لكن الدراما تظهر أن هذه الإجراءات لا تستطيع دائمًا أن تعوض الفقد العاطفي الذي ينشأ عن تفكك الأسرة، وهنا يتجلى دور الفن بوصفه مجالًا يطرح الأسئلة أكثر مما يقدم الإجابات، إذ يدفع المشاهد إلى التفكير في العدالة العاطفية التي قد لا تتحقق دائمًا عبر النصوص القانونية وحدها.
إلى جانب جملة من الأمور المشتركة بين الأعمال الثلاثة، منها إبراز الحماة (أم الزوجة) بدور المحرك على تأجيج الصراعات بين الزوجين حتى الطلاق وبعده، وأن كل الوالدين في الأعمال الثلاثة لديهم طفلة واحدة وبنت تحديدًا، وكذلك مشهد اختلاق الأب لأي موقف ليرى ابنته عنوة؛ ففي مسلسل (كان يا مكان) ذهب الأب تحت شرفة ابنته يحمل كيكة عيد الميلاد ويدوي الأغاني بصوت مرتفع، وفي مسلسل (أب ولكن) ذهب الأب ليغني ويحتفل أمام مدرسة ابنته، وفي مسلسل (المتر سمير) ذهب إلى مدرسة ابنته محملًا بالهدايا ومنع من رؤيته فما إن رآها وجرى نحوها وجرت نحوه حتى منعا بالقوة من اللقاء... وغير ذلك.
ومع ذلك لا تخلو هذه المعالجات من بعض المآخذ الفنية، إذ تميل بعض الحلقات أحيانًا إلى المبالغة الميلودرامية التي تضخم المأساة على حساب التعقيد الواقعي، ففي بعض المشاهد يبدو الصراع وكأنه ينقسم إلى طرف مظلوم تمامًا وطرف مذنب تمامًا، بينما الواقع أكثر تركيبًا من هذه الثنائية الأخلاقية، فالطلاق غالبًا ما يكون نتيجة شبكة معقدة من الأخطاء والظروف والضغوط.
ومع كل ذلك تبقى أهمية هذه الأعمال في أنها نقلت قضية (رؤية الأب) لأطفاله من فضاء النقاش القانوني الضيق إلى فضاء الدراما الجماهيرية، حيث أصبحت موضوعًا للتأمل والنقاش العام، لقد أسهمت هذه المسلسلات في جعل المشاهد يرى القضية بوصفها تجربة إنسانية مؤلمة يعيشها كثير من الأسر في الواقع، ومن هنا تبدو دراما رمضان 2026 وكأنها تحاول أن تعيد طرح سؤال الأسرة في المجتمع المعاصر: كيف يمكن أن تستمر الأبوة والأمومة بعد انهيار العلاقة الزوجية؟ وكيف يمكن حماية الطفل من أن يتحول إلى ساحة للصراع بين طرفين انتهت بينهما المودة؟
إن هذه الأسئلة التي تثيرها الدراما بقدر ما تعكسها، تجعل من قضية الرؤية أكثر من مجرد تفصيل قانوني؛ إنها مرآة لقلق اجتماعي أعمق يتعلق بمصير الأسرة نفسها في عالم سريع التحول، ولهذا فإن حضورها القوي في الدراما هو انعكاس لواقع اجتماعي يبحث عن توازن جديد بين القانون والعاطفة وبين حق الأب وحق الأم، والأهم من ذلك حق الطفل في أن يحتفظ بعالمه العائلي مهما تغيرت أشكاله.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك