مفعول الألم
الألم قد يصنع منك إنساناً صلداً كحجر جامد غير قابل للتشكُّل أو التَغيُّر ، قد يُحيلك لشخص غاضب لا يتمكن من البوح بما يُعانيه ، لا يقدر على خوض النقاشات فهي خاسرة في النهاية بفعل عدم قدرته على مواكبة مَنْ يُحادثه أو التفاهم معه ولو بقدرٍ طفيف ، الألم قد يصنع من الإنسان اللين كتلةً صماء لا تُحدِث أي تغيير في مجريات الأحداث بل تكون غير قادرة على التأثير أو المشاركة في أي موقف كان .
قد يجعل المرء كشبحٍ ليس له بصمة ، حُطاماً لا تُرى غير بقاياه التي لا تزال موجودة ولكن بلا روح ، يظل لازماً الصمت لحين أنْ تفنى حياته ولا يفهمه أحد أو يتمكن من إخراجه ممَّا أصابه ، يظل شاعراً أن تلك العِلة التي داهمت قلبه لن تبرَحه أبد الدهر وسيظل يكابد المشقات لحين أنْ ينتهي العالم تماماً ، تظل الأفكار تضرب بعقله وتُدمي قلبه بلا رحمة أو هوادة ، تبقى الذكريات عالقةً بذهنه لا ترحل عنه أو تدَعه يهنأ ولو بقَدْر بسيط من تلك الحياة المتبقية لديه ، فهو يكون أشبه بالميت بل أصعب منه حالاً ، فالميت لا يشعر بالأمور كما يشعر بها الإنسان الذي ما زال على قيد الحياة .
فمقياس الشعور يختلف في العالم الآخر تماماً ولا نتمكن من التوصل لكُنهِه أو معناه الحقيقي ولذا على المرء ألا يترك ذاته لهذا الألم حتى يعتصره ولم يَعُد يملك سوى الفتات من روحه وكأنه فضَّل هذا الوضع عن التخلص من وطأة الألم الذي أصابه فما هذا إلا نوع من الاستسلام الذي لا داعي له ، فالحياة بها المزيد من الفرص وإنْ كنت قد ذُقت مَرار الألم بالأمس فلا بد أنْ تنعم بالهناء في أيامك القادمة لا مَحالة .
فالحياة تهبك كلا الأمرين دون إتيان أحدهما على الآخر فتلك طبيعتها وسُنتها التي لن يغيِّرها أحدٌ مهما بلغت قوته وجبروته ، فعلينا تقبُّل الأمور كما هي عليه دون محاولة الإبقاء على تلك الحالة التي أصابتنا بها لفترة طويلة حتى لا نخسر حياتنا بلا جدوى ونظل نادمين على ما فعلنا بأنفسنا ، فما الحياة إلا بضعٌ أيام وعلينا التمتُّع بها بقدر الإمكان وبكل الوسائل المتاحة الممكنة ...
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك