من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

قصيدة "فائية الدهر" تغريبة النسر وملحمة الصمود

شيخ مشايخ العرب أحمد لملوم السعدي بن الذئب بن ابي الليل
قصيدة


رَميتُ نَردي فَأهداني صَوارِفُهُ

ما عزَّ عن طالبٍ أو فاتَ ذا شَغَفِ

فالبَختُ خِدنٌ لِلفتى إن صانَ هِمَّتَهُ

والعَزمُ بابٌ لِلمعالي صادقُ الوَصَفِ

وَاللُّبُّ ما أُغْنِيَتْهُ الحِكْمَةُ اعتَزَلَتْ

إِنْ لَمْ يُزَكِّ نَفْسَهُ فِي غَمْرِ ذِي لَجَفِ

والحِلمُ يُنْبِتُ في كَنَافِ الغيبِ مَغْرَسَهُ

إِنْ كانَ مِيقَاتُهُ فِي اللَّوحِ ذِي سَدَفِ

وَالرِّيحُ تَغزِلُ مِن أَشجَانِها نَغَمًا

يَبكِي الرُّؤَى وَيُسَاقِيهَا عَلَى كَتَفِي

وَالغَيمُ يَحكِي لِطَيفِ الشَّمسِ مَأسَاتَهُ

وَيَسكُبُ الدَّمعَ فَوقَ النُّورِ وَالسُّدُفِ

لَولا المَشَقَّةُ مَا سَامت جُنَاحَتُنَا

مَدارِجَ العِزِّ فِي مَحضِ الهَوَى الدَّنِفِ

إِنّي بَذَرتُ بِحُقلِ العُمرِ مُغتَبِطًا

حُبًّا يُرَوِّي دِمَاءَ المَجدِ بِالطُّرَفِ

وَالآنَ أَقفُو خُطَى الماضِينَ مُعتَصِرًا

مِن كُلِّ دَربٍ نَبَاتَ العِلمِ وَالعِطَفِ

إِنَّ القَصَائِدَ أَوهَامٌ نُشَيِّدُهَا

مَسجُونةً بَينَ أَضلاعٍ مِنَ اللهَفِ

إِنّي وَقَفتُ عَلَى الأَيَّامِ أَسأَلُهَا

هَل يَرتَجِعُ زَهرُها مِن بَعدِ مُقتَطَفِ؟

وَهَل تَرُدُّ اللَّيَالِي فِي تَوَهُّجِهَا

مَا قَد تَبَدَّدَ مِن آثَارِ مُختَلَفِ؟

فالإلهامُ سَيفٌ إن صَحَّت عزائِمُهُ

وَالنَّزَاهَةُ فَجْرٌ تَشُقُّهُ قُدَمُ الوَصَفِ

وَالدهرُ يَطرَحُ في أَيامِهِ سُنَنًا

لِلحُكمِ يُنشِئُهَا مِن خَطوَةِ السَّلَفِ

يَمُرُّ في عَدْوِهِ سَيفٌ يُرَقِّصُهُ

وَجهُ الطُّمُوحِ بِأَغلالٍ مِنَ التَّلَفِ

وَالرُّوحُ إِنْ لَمْ تَكُنْ كالنَّجمِ مُشرِقَةً

بَاتَتْ هَشيمًا بِرِيحِ الذُّلِّ تَنعَصِفِ

إِنّي رَضِعتُ اللُّغه صَهباءَ مُعتَقةً

مِنْ نَبعِ فُصحى تُريقُ العِطرَ كالدُّهُفِ

فَلا تُغَرَّنَّ بِالمُغوِي وَمَنهَجِهِ

فَالنَّورُ يَبلُغُ مَن سَامَى بِهِ الهَدَفِ

هَذي القَوافِي صَدَى فِكرٍ تَشعشَعَهُ

زندُ الفُؤادِ إِذَا ما مَسَّهُ الشَّغَفِ

حَتَّى إِذَا مَا انحَنَتْ أَضلاعُ مَوهِبَةٍ

وَقَد تَكَسَّرَ مِنها الرُّمحُ وَالخَصَفُ

وَبَاتَ يَحسِبُ فِي الآتِي مَنَادِحَهُ

كَمْ يَبقُ مِن سُؤدُدٍ، كَمْ يَذبُلُ اللَّجَفِ؟

يَرَى الفُؤَادَ كَحَقلٍ كَانَ مُورِقَهُ

وَاليَومَ يَصرُخُ فِي ظِمآنِهِ الجُدُفِ

وَالصَّوتُ يَحكِي لِأَيَّامٍ تَصَفَّحَهَا

لَكِنَّهُ لَيسَ يُدرِي مَن سَيَعتَرِفِ

إِنَّ الثَّمانِينَ تَفتِي فِي قَضَايَتِنَا

أَنَّ الجُرُوحَ إِذَا غَالَتكَ تَنعَطِفُ

فَالرُّوحُ تَنسِجُ مِن أَورَاقِ مَأسَاتِهَا

دَربًا إِلَى الضَّوْءِ لَا يَفنَى وَيَلتَحِفِ

وَالآنَ يَحفِرُ فِي الأَقدَارِ مَوطِئَهُ

مِثلَ البُحُورِ إِذَا سَالَت عَلَى الصَّدَفِ

يَا مَنْ يُنَقِّبُ فِي الأَيَّامِ عَنْ شُعَلٍ

لَا يُدرِكُ النُّورَ مَنْ أَطفَاهُ بِالتُّرَفِ


هَلْ يُدرِكُ العُمرُ فِي إِرجَافِ مَوجَتِهِ

أَنَّ الحَيَاةَ سَبَاحة بِلَا ضَفَفِ؟

هَذِي المَسَافَاتُ لَا تُؤتَى بِمُتَّكِئٍ

وَلَا تَزُفُّ العُلَا مَنْ يَرتَجِي السَّلَفِ

هَذِي النُّفُوسُ إِذَا لَم تُوقِظِ الهِمَمَا

بَاتَت تُفَتِّشُ فِي الأَوهَامِ وَالصُّحُفِ

فَاخْلَعْ رِدَاءَ المنَى وشُقَّ الدُّجَى بِقَدٍ

يَسْتَلُّ مِنْ صَخرَةِ الأَقدَارِ مُحتَرَفِ

وَخُضْ بِلُجَّةِ أَيَّامٍ تُهَادِنُنَا

مِنْ غَيرِ عَهدٍ وَتُلقِينا إِلَى الجُرَفِ

فَالعُمرُ دُنيا تُحِيكُ الحُزنَ فِي كَبِدٍ

وَالنَّاسُ نَجمٌ بَدَا وَانْهَالَ فِي السُّدُفِ


فَاقرَأْ كُتُبَ الدُّجَى، وَانْسِجْ مَآثِرَهُ

مِنْ كُلِّ مَجْدٍ تَوَلَّى دُونَ مُعْتَرَفِ

وَاصْعَدْ كَمَا تَصْعَدُ الأَمْوَاجُ مُنتَفِضًا

فَالطُّودُ مَا سَادَ إِلَّا بَعْدَ مُرْتَجَفِ


فَاخْطُرْ عَلَى الدَّرْبِ لَا تَأْبَهْ لِمُنْقَطِعٍ

يُلْقِي الرِّسَالَةَ فِي إِفْكٍ وَفِي جَنَفِ


كَمْ مِنْ جُبَانٍ رَمَى بِالسَّيْفِ مُنْخَذِلًا

وَالصَّارِمُ الحُرُّ فِي كَفِّ العُلَا قَطِفِ


كَمْ حَامِلٍ رَايَةً مَالَتْ بِهِ قَدَمٌ

لَكِنَّهُ صَانَهَا بِالصَّبْرِ وَالجَلَفِ

فالحَقُّ نَارٌ إِذَا مَا جُنَّ مُعتَصِمٌ

تَخْشَى اللُّيُوثُ لَهَا وَالذِّئْبُ فِي كَلَفِ

وَالبَاطِلُ الرِّيشُ إِنْ لَاقَى مُعَارِكَهُ

تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي الدَّيْجُورِ وَالصَّدَفِ

فَاحْمِلْ قَلُوصَ المُنَى وَاشْدُدْ عَزَائِمَهَا

فَالحُلْمُ لَا يَسْتَقِيمُ الدَّهْرَ بِالخَوَفِ

إِنَّ الطَّرِيقَ إِلَى الآمَالِ مُنْعَطِفٌ

لَا يُدرِكُ الفَجْرَ إِلَّا مَنْ غَدَا وَقَفِي

فَانْهَضْ كَمَا النَّخْلُ، إِنْ هَبَّتْ رَوَائِحُهُ

عَادَتْ جَنَاهُ لِمَنْ سَامَى بِهِ الشَّرَفِ

وَاجْنِ المَعَانِي فَلَا يَحْيَا بِغَيْرِ هُدًى

مَنْ فِي جَزَافِ الرِّيَاحِ ارْتَابَ فِي السَّلَفِ

فوالحُلمُ كَالرِّيحِ، إِنْ لَمْ تُمسِكِ اللَّحَظَا

غَابَتْ مَنَازِلُهُ فِي قَاعِ مُنعَطَفِ

إِنِّي رَأَيْتُ اللُّغَه كَالبَحْرِ مُنْدَفِعًا

يَرْسُو عَلَى المَجْدِ، أَوْ يُلقِي إِلَى النَّكَفِ

كَمْ مِحْنَةٍ كَانَ فِي أَعْطَافِهَا دُرَرٌ

لَا يَسْتَبينُ سِنَاهَا غَافِلٌ خَرِفُ

مَنْ لَمْ يَكُنْ سَابِقًا فِي الحَقِّ مَوكِبُهُ

ضَاعَتْ سَنَابِكُهُ فِي الرَّمْلِ وَالجُرَفِ

إِنِّي رَأَيْتُ المَنَايَا كَالسُّحُبِ انْحَدَرَتْ

وَالمَجْدُ مَركَبُ مَنْ يَحْنُو عَلَى السَّعَفِ

مَنْ يَسْتَظِلُّ بِظِلِّ العِزِّ تَسْبِقُهُ

إِلَى العُلا نَفْحَةٌ مَنْ كَفِّهِ نُدُفِ

وَالْعِلْمُ يَحْكُمُ فِي دُنيَاهُ أَسْرَتَهُ

فَالقَولُ يُورِقُ إِنْ أَثْمَرْتَ فِي الصَّرَفِ

وَالمَجدُ بَحرٌ إِذَا حَادَتْ سَفِينَتُهُ

لَمْ يَكْفِهِ الطُّودُ مِنْ أَحْلامِهِ وَعَفِ

فَاشْهَدْ عَلَيَّ وَإِنْ طَالَتْ مُنَاظِرُهُ

أَنِّي رَضِعْتُ اللُّغَه مِنْ خِلْدِهِ الغُرَفِ

إِنِّي لَهَا وَلَهَا صَوْتِي يُعَانِقُهَا

وَالحُبُّ يَنْبِضُ فِي أَعْمَاقِهَا كَدَفِ

لَا تَسْتَقِيمُ لِمُضْنَى العَيْشِ دَائِرَةٌ

إِلَّا وَفِي طَيِّهَا مَكْرُ الأَزَلْ يَخِفِ

يَغْشَى الطَّوَافُ فَلَا تُنْجِي مَرَاكِبُهُ

إِلَّا إِذَا صَاحَ فِي أَمْوَاجِهِ السَّدَفِ

وَالكَوْنُ مَوْئِلُ مَنْ فِي رُوحِهِ نَهَمٌ

إِنْ شَاءَ أَخْذًا أَتَاهُ العِزُّ بِالكَلِفِ

يَا مَنْ سَأَلْتَ زَمَانًا لَسْتَ تَدرِكُهُ

مِنْ كُلِّ يَوْمٍ تُسَاقِي الدَّهْرَ بِالنَّزَفِ

وَالصَّبْرُ نَارٌ إِذَا سَادَتْ سَمَائِلُهُ

أَطْفَأْتَ فِيهَا اللَّظَى بِالصَّبْرِ وَالْعَكْفِ

مَنْ يُنْصِتُ الصَّوْتَ إِذْ يَجْرِي بِلاَ لَهَجٍ

وَيَسْكُبُ النُّورَ فِي أَجْوَافِهِ الصَّدِفِ؟

قَدْ تَكْتُبُ الرُّوحُ أَشْجَانًا مُعَطَّرَةً

وَيَبْقَى جُرْحُ المَدَى فِي صَدْرِهَا كَنَفِي

إِنِّي وَجَدْتُ زَمَانًا لَا يُطِيقُ صَفًا

وَلَا يُرَاعِي فَتًى إِنْ صَانَهُ الشَّرَفُ

فَاخْتَرْ طَرِيقَكَ إِنْ كَانَتْ مَنَازِلُهُ

فِي نَاصِعِ الذِّكْرِ مَا يُسْقَى بِهِ الطَّرَفُ

والمركزُ العدلُ، لا يَحْنُو لِذِي دَخَنٍ

وَلا يُبَالِي بِحَقْدِ النَّاقِمِ الجَنِفِ

يَسْمو كَنَجمٍ أَنَارَ الدَّرْبَ مُتَّزِنًا

لَا يُطفِئُ البَغْيُ مِصْبَاحَ الهُدَى الوَقِفِ

لَا يَرتَجي العِوَجَ المَكْذُوبَ يَنفُخُهُ

زَيفُ الحَقَائِدِ مِن وَهْمٍ وَمُعتَرَفِ

يَرْقَى بِرُوحٍ إِذَا عَادَتْهُ نَائِبَةٌ

يَلفِي لَهَا فَوقَ أَعْوَادِ الأَسَى أُلُفِ

وَيَحْسِبُ الكَوْنَ دَوَّارًا وَعَاقِبَةٌ

مِيزَانُهَا الحَقُّ لَا ظُلمٌ وَلَا خَلَفِ

أَمْعَزُ صَوَّاف، لا تُغْوِيهِ زَائِلَةٌ

وَلَا يُغَالِطُهُ فِي صِدْقِهِ السَّرَفِ

يَمشِي وَعِزَّتُهُ فِي الرِّيحِ مُحْتَدِمٌ

لَا يَحْنِي الجِيدَ، لَا يَرْضَى بِمُقتَرَفِ

إِنْ جَاعَ، صَبْرُهُ أَسْوَارُ مَمْنَعَةٍ

وَإِنْ يُعَافَ، فَحُرٌّ غَيْرُ مُنْتَصِفِ

يَشُقُّ دَرْبَ الدُّجَى وَالقَفْرُ مُغْلَقُهُ

لَا يَسْتَجِيرُ وَلَا يَرْضَى بِمُقْتَرَفِ

وَالصِّدْقُ زَادُهُ إِنْ قَالَ وَاعِدَهُ

يُوفِي وَيُبْصِرُ فِي الأَيَّامِ مَا انْصَرَفِ

يَمْضِي وَفِي عَيْنِهِ الآفَاقُ مُشْتَعِلَةٌ

تَحْكِي سُؤَالَ الرِّيَاحِ المُرِّ وَالأَلَفِ

إِنْ ضَاقَتِ الأَرْضُ، وَالنَّاسُ اغْتَدَوْا سُفَهًا

فَالحُرُّ يَعرِفُ مِنْ أَقدَارِهِ الطُّرُفِ

يَسِيرُ فِي عَزْمِهِ، لا الخَوفُ يُرْهِقُهُ

وَلَا تُعِيدُ خُطَاهُ نَائِحَاتُ الأَسَفِ

أَمْعَزُ صَوَّانُ، لَا يُغْرِيهِ مُنْتَفَشٌ

وَلَا يُغَالِطُهُ فِي صِدْقِهِ الشَّرَفُ

يَغْدُو كَمَا الغَيْمُ إِنْ سَاحَتْ سَنَابِلُهُ

يُرْوِي الفَلَاةَ وَلَا يَرْضَى بِمُحْتَرَفِ

إِنْ سَالَ جُرْحُ الدِّمَا فِي أُفْقِ مَلْحَمَةٍ

أَسْقَى بِهِ الدَّهْرَ حَتَّى يَغْتَسِلْ عَطَفُ

يُقَاتِلُ الظُّلْمَ، لَا خَوْفٌ يُرَاوِدُهُ

وَلَا يُمَالِقُ أَحْقَادًا وَيَحْتَرِفُ

إِنْ جَاعَ صَبْرُهُ غَابٌ لَا مَدَاخِلَ فِيهِ

وَإِنْ نَعِمْتَ، فَمَا فِي عَيْنِهِ كَلَفُ

يَمْشِي وَيَعْرِفُ أَنْ الرِّيحَ خَاتِمَةٌ

وَلَا يُمَالِئُهَا وَقْتٌ وَلَا صُدَفُ

يُوَاجِهُ القَدَرَ الْمَعْقُودَ فِي غَسَقٍ

وَيَحْسِبُ الْعُمْرَ مِنْ أَضْلَاعِ مَنْ تَحِفُ

إِنْ أَظْلَمَ الدَّهْرُ، فِي عَيْنَيْهِ مُتَّسَعٌ

لَا يُشْرِقُ الفَجْرُ إِلَّا إِنْ مَحَتْ صُحُفُ

يَسِيرُ فِي الدَّرْبِ لَا يَخْشَى مَآلَتَهُ

والرِّيحُ تَسْتَقْبِلُ الْمَاشِينَ بِالعُرْفِ

يَرُودُ صَهْوَةَ أَيَّامٍ بِرَاحَتِهِ

وَيَرْقُبُ الحَظَّ إِنْ جَارَتْ بِهِ السُّدُفُ

يَمْشِي عَلَى القَدَرِ المَوْشُومِ فِي كَتِفٍ

وَلَا يُغَيِّرُهُ دَهْرٌ وَلَا شَغَفُ

إِنَّ السلوان لَا يُؤْتَى بِمَدْعَنَةٍ

وَلَا يُقِيمُ عَلَى العَرْشِ الَّذِي خَضَفُوا

إِنْ يَنْفَضِ الرَّكْبُ فِي فَجْرٍ يُخَالِفُخ

سِار وَحِيدًا، فَمَا يَسْتَقْبِلُ الظُّلَفُ

أيخُوضُ فِي لُجَّةِ التَّارِيخِ مَغْمَرَةً

كَمْ أَغْرَقَ القَوْمَ مَنْ فِي الْغَدْرِ قَدْ عَكِفُوا

يُعَانِقُ الأُفْقَ، وَالآفَاقُ مُجْتَمِعَةٌ

عَلَى بَقَايَا الَّذِي بِالْحَقِّ يَعْتَرِفُ

إِنَّ القلوب إِذَا لَمْ تَسْتَقِمْ هَلَكَتْ

وَالسَّيْفُ يَجْزِرُ مَنْ فِي الوَهْمِ يَحْتَشِفُ

​فَالذِّئْبُ يَحْكُمُ فِي لُغْزِ السُّهَى زَمَنًا

وَلَا يُضَامُ إِذَا مَا مَالَ مُنْصَرِفُ


​فِي النَّفْسِ نَارٌ، وَفِي الأَضْلَاعِ مُلْتَهَبٌ

وَلَا تَحِيدُ خُطَاهُ إِنْ جَنَتْ خُطُفُ


​يَمْضِي وَيَتْرُكُهُ التَّارِيخُ مُنْدَهِشًا

مَا كَانَ فِي العَيْشِ مَنْ يَشْقَى وَمَنْ يَتِفُ


​لَا يَسْتَطِيعُ أُسُودُ الغَابِ تَقْلِبَهُ

وَلَا يُغَيِّرُهُ سَيْفٌ وَلَا قَصَفُ


​يَجُودُ وَجْهُ الدُّجَى لِلسَّيْرِ فِي شُهُبٍ

وَالمَجْدُ لَا يُوهَبُ العَالُونَ مُحْتَرِفُ


​إِنْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَنْ يَخْشَى تَقَلُّبَهَا

فَالسَّيْرُ يَصْنَعُهُ فِي الغَابِ مَنْ عَرَفُوا


​يَشُدُّ رَحْلَ الرُّؤَى فِي مَهْمَهٍ غَرِقَتْ

فِيهِ المَنَايَا، وَلَا يَثْنِيهِ مُنْحَرِفُ


​يَمْضِي وَوَجْهُ الدُّنَا فِي سَطْوَةِ المُهَجِ

وَالمَوْتُ أَسْهُمُهُ لِلْعَابِثِ النَّكِفُ


​يَرْتَادُ صَهْوَةَ أَيَّامٍ يُسَائِلُهَا

كَيْفَ اسْتَبَاحَتْ خُطَاهُ الفَيْضُ وَانْعَطَفُوا؟


​يَحْكِي لِظِلِّ الفُؤَادِ الحُرِّ مَغْرِبَهُ

وَيُطْلِقُ الرُّوحَ فِي نُورٍ لَهُ شَغَفُ


​يُدْمِي المَدَى بِيَدَيْهِ ثُمَّ يَبْتَسِمُ

كَأَنَّ مَا جَفَّ مِنْ جُرْحٍ لَهُ نَطَفُ


​يَخْشَى العَسِيفُ إِذَا حَانَتْ مُقَدَّرَةٌ

وَلَا يُفَكِّرُ فِي مَاضٍ وَمَنْ صَرَفُوا


​إِنْ شَاءَ صَانَ، وَإِنْ شَاءَتْ عَزِيمَتُهُ

جَاشَ الإِبَاءُ إِذَا مَا الحَقُّ مُرْتَجِفُ


​وَالمُلكُ إِنْ لَمْ يَكُنْ صَوْلًا يُحَصِّنُهُ

فَالمُلْكُ وَهْمٌ لَهُ في طَيِّهِ لُجُفُ


​فَالمَجدُ بَابٌ وَمِفْتَاحُ البَقَاءِ بِهِ

مَنْ لَمْ يُقَدِّرْهُ كَانَ العَيْشُ يَرْتَجِفُ


​إِنَّ الجِبَالَ إِذَا مَا الحُكْمُ زَلْزَلَهَا

أَلْقَتْ بِمَنْ خَانَهَا دُوناً وَانْعَطَفُوا


​يَسِيرُ مُخْتَرِقًا أَشْوَاكَ سُلَّمِهِ

حَتَّى إِذَا بَلَغَ العَلْيَاءَ يَعْتَرِفُ


​ظَنَّ المَسِيرَ سَهِيلًا فِي تَسَلُّقِهِ

حَتَّى أَفَاقَ وَفِي العَلْيَاءِ مُحْتَرِفُ


​كَيْفَ الثَّبَاتُ وَأَرْضُ القِمَّةِ اضْطَرَبَتْ؟

وَالسَّيْفُ أَدْنَى لِمَنْ لِلْحَقِّ قَدْ قَرَفُوا


​فَالنَّجْمُ يُرْقِصُهُ مَوجُ الفَنَاءِ إِذَا

خَفَّتْ يَدَاهُ، وَكَمْ مِنْ نَجمٍ انْحَسَفُوا؟


​وَالمَجدُ إِنْ لَمْ يَكُنْ صَرحًا تُحَصِّنُهُ

يَدُ الأَبِيِّ، فَإِنَّ السَّيْرَ مُنْحَرِفُ


​مِنْ صَخْرَةِ القِمَمِ العَلْيَاءِ مُنْطَلَقٌ

وَالمُوجُ فِي أَسْفَلِ الأَسْفَارِ مُرْتَجِفُ


​يَمْضِي كَمَنْ يَدْحُرُ الأَيَّامَ صَامِدَةً

لَا يَرْتَضِي الذُّلَّ فِي سَيْفٍ وَلَا سَجَفِ


​يَجُوبُ دَرْبًا تَحُفُّ اللَّيْلَ سُدْفَتُهُ

وَالمَوجُ يَشْهَقُ إِذْ يَرْتَادُهُ الشُّرَفُ


​يَسِيرُ مَا انْفَكَّ تَفْنَى فِي خُطَاهُ خُطًى

حَتَّى يُوَشِّحَ مِسْكًا كَفَّهُ السَّلَفُ


​وَالمَجدُ يُوقِدُ فِي أَعْمَاقِهِ هِمَمًا

كَالنَّارِ تَحْرِقُ مَنْ خَانَتْهُ وَالتَّلَفُ


​فَإِنْ تَرَاجَعَ عَنْ سُلَّمِ العُلاَ نَفَرَتْ

مِنْهُ القِمَمُ، وَمَاتَ العَزْمُ وَانْتَكَفُوا


​هَلْ يَسْتَوي مَنْ دَحَى الأَيَّامَ مُتَّقِدًا

وَمَنْ إِذَا ذَكَرُوا الأَمْجَادَ يَعْتَرِفُ؟


​هَذِي المَعَالِي نُسُورٌ لَا تُبَارِحُهَا

إِلَّا جُسُورٌ بِنَارِ العَزْمِ تَحْتَرِفُ


​إِنْ صَابَرَ المَرْءُ حَتَّى تَسْتَوِي قِمَمٌ

تُصْبِحْ عُقُودًا بِجِيدِ العَزْمِ تَصْطَفِفُ


​قَدْ كَانَ يَسْأَلُ: هَلْ يَبْقَى الَّذِي عَبَرُوا؟

أَمْ كُلُّ شَيْءٍ سَيُفْنَى حِينَ نَحْتَرِفُ؟


​وَهَلْ نَحْتَرِقُ كَمَدٍّ قَدْ أَتَى وَهَنًا؟

أَمْ نَسْتَطِيلُ كَنَارِ الشَّمْسِ نَلْتَهِفُ؟


​فَمَا الهَوَى غَيْرُ نَبْضٍ فِي ضَمَائِرِنَا

وَالْوَقْتُ يَسْقُطُ صُدْفاً حَيْثُ نَنْعَطِفُ


​وَالْمَوْتُ يَمْشِي بِطُرْقَاتٍ مُرَقَّشَةٍ

مِنَ الرُّؤَى، وَبَقَايَا الحُلْمِ تَنْكَشِفُ


​كُلُّ الطُّرُوقِ إِلَى الحُرِّيَّةِ انْطَفَأَتْ

إِلَّا الَّذِي بِدَمِ التَّفْكِيرِ يَقْتَرِفُ


​مَنْ كَانَ يَحْفِرُ فِي الأَفْكَارِ مَوْطِئَهُ

أَمْسَى بِنُورِ هُدَاهُ العَالَمُ يَعْتَرِفُ


​يَمْضِي وَتَحْتَ ظِلَالِ الشَّكِّ يَحْتَدِمُ

صَوْتُ الفَنَاءِ، فَهَلْ لِلدَّهْرِ مُنْصَرَفُ؟


​كَمْ مِنْ فَتًى ظَنَّ أَنَّ العُمْرَ مُبْتَدَأٌ

وَفِي خَوَافِقِهِ مَوْتٌ لَهُ كَنَفُ


​أَيَسْتَحِقُّ الَّذِي أَفْنَى الحَيَاةَ سُدًى

أَنْ يَرْجُوَ الخُلْدَ فِي الدُّنْيَا وَيَلْتَحِفُ؟


​نَحْنُ السَّفِينَةُ فِي بَحْرِ العَدَمِ، وَهَلْ

إِلَّا التَّيَارُ بِمَا نَجْرِي بِهِ يَقِفُ؟


​وَالْعُمْرُ نَصٌّ بِلَا سَطْرٍ يُكَمِّلُهُ

إِلَّا إِذَا صَاحَ فِيهِ القَدْرُ وَاحْتَرَفُوا


​يَا مَنْ تَخَيَّلَ أَنَّ الخُلْدَ مُتَّكَلٌ

إِنَّ البَقَاءَ لِمَنْ فِي ذَاتِهِ احْتَرَفُوا


​لَا تَنْتَظِرْ رِدَاءَ النُّورِ فِي زَمَنٍ

يَأْكُلُ النُّورَ فِيهِ الظُّلْمُ وَالخَرَفُ


​مَضَى يَمِيطُ رِدَاءَ العَقْلِ مُنْطَفِئًا

كَيْ يَلْتَمِسَ النُّورَ إِذْ لِلنَّفْسِ يَنْكَشِفُ


​يَا مُوجَةَ العَدَمِ الجَارِيَةِ انْكَفِئِي

فَالنُّورُ يَسْكُنُ مَنْ بِاللَّهِ يَعْتَرِفُ


​مَنْ كَانَ يَحْسِبُ هَذِي الأَرْضَ دَائِرَةً

رَأَى لِقَلْبِ الأَبِيِّ الفَضْلَ إِذْ قُصِفُوا


​فَالأَرْضُ مَوْطِئُ مَنْ يَسْعَى بِمَرْحَلَةٍ

وَالسَّمْعُ يَنْفِي بَيَاناً بَهُ اخْتَرَفُوا


​وَالسَّمْكُ يَسْبَحُ فِي مَاءِ اليَقِينِ وَمَا

يَسْبَحْ بِغَيْرِ هُدًى فَالنُّورُ مُرْتَجِفُ


​وَالمَوْجُ يَكْتُبُ فِي شُطْآنِهِ أَثَرًا

لِلصَّامِتِينَ وَلِلْعُشَّاقِ مُعْتَرَفُ


​مَنْ كَانَ يُمْسِكُ خَيْطَ النُّورِ مُنْبَثِقًا

رَأَى الَّذِينَ هُمُ فِي الدَّرْبِ قَدْ وَقَفُوا


​إِنِّي رَأَيْتُ جِبَالَ العَزْمِ مُرْتَكَزًا

فِي كُلِّ قَلْبٍ إِذَا مَا النُّورُ يَصْطَدِفُ


​وَالمَجْدُ شَهْدٌ وَمِنْ جُرْحٍ نُعَتِّقُهُ

بِهِ جَمِيعُ الأُلَى عَانَوْا سَيَعْتَرِفُوا


​لَا تَسْأَلُوا العُمْرَ هَلْ يُبْقِي لَنَا أَمَلًا

فَالمَوْجُ سَحْبٌ لِمَا فِي البَحْرِ قَدْ غَرَفُوا


​وَالرُّوحُ إِنْ لَمْ تَكُنْ حُرًّا فَلَا غَدَ لَهَا

إِنَّ السَّمَاءَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ يَخْتَرِفُ


​يَا نَاشِرِي نُورَكُمْ فِي عَتْمَةِ المِحَنِ

إِنَّ الطَّرِيقَ طَوِيلٌ، وَالمَدَى شَغِفُ


​لَمَّا تَأَوَّدَ فِي الأَزْمَانِ مُعْتَكِفٌ

وَالنَّجْمُ يَسْطَعُ مِنْ أَحْشَاءِ مُنْسَجِفِ


​رَامَ الخَلَاصَ فَمَا اسْتَنْقَذْتَ حِكْمَتَهُ

إِلَّا كَمَنْ قَادَ سِرْبَالًا مِنَ النَّطَفِ


​وَالكَوْنُ يَسْرِدُ أَسْرَابًا مُرَدَّدَةً

كَالنَّايِ يَنْسِجُ أَنْغَامًا لِمُعْتَرِفِ


​يُسَائِلُ اللَّيْلُ صُبْحًا لَمْ يُجَاوِبْهُ

إِلَّا صَدَى زَفَرَاتٍ فِي لَظَى الجُرَفِ


​وَالرِّيحُ تَذْرِفُ أَسْرَارًا مُبَعْثَرَةً

كَالنُّورِ يَنْسَحِبُ اسْتِرْقَاقَ مُنْهَدِفِ


​مَضَى يُقَارِعُ ظِلَّ الوَهْمِ مُنْدَفِعًا

حَتَّى تَكَسَّرَ ذَاكَ الظِّلُّ فِي الصَّدَفِ


​وَالكَوْنُ أَوْرَقَ أَوْهَاماً مَدَارِجُهُ

كَالحُلْمِ يُنْبِتُ أَشْوَاكًا عَلَى السَّعَفِ


​يَسْطُو الفَنَاءُ عَلَى الأَكْوَانِ مُفْتَرِسًا

وَالحُكْمُ يَرْتَهِنُ الأَحْيَاءَ بِالأَسَفِ


​لَا يَرْتَقِي الدَّرْبَ إِلَّا مَنْ تُصَاحِبُهُ

نَفْسٌ تُقَارِعُ فِي أَقْدَارِهَا الجَنَفِ


​هَذِي السِّنُونَ كَمَوْجِ البَحْرِ يَعْصِفُهَا

عَزْمٌ، وَلَا صَيْدَ إِلَّا حَازِمٌ حَصِفُ

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

7560
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.