من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

​جحا والتاجر: قصة قصيرة من نوادر جحا

بقلم أحمد لملوم
​جحا والتاجر: قصة قصيرة من نوادر جحا


"النص" الضائع


​كان جحا يهرول في أزقة السوق، يراقب صراع البقاء بين البائع والمشتري، حتى استوقفه ثوب يتلألأ تحت خيوط الشمس وكأنه منسوج من غمام. اقترب من التاجر—الذي كان يضع ساقاً فوق أخرى بزهو المالك—وسأله بنبرة هادئة:

"يا صاحب الرزق، بكم تبيع هذا الوهم المنسوج؟"

​رد التاجر بعنجهية وهو ينفض غباراً متخيلاً عن الثوب: "هذا ليس وهماً يا جحا، هذا ثوب بعشرين درهماً، لا تنقص قرشاً واحداً."

​هنا صمت جحا لثانية، وكأنه يزن الكون بميزان ذهب، ثم قال ببرود يحسد عليه: "سأمنحك ثمانية دراهم.. لا أكثر."

​انفجر التاجر ضاحكاً حتى بدت نواجذه، وقال بسخرية: "ثمانية؟ هل جئت لتشتري ثوبي أم لتشتري شفقتي؟ هل تظنني ساذجاً لأبيع بما لا يسمن ولا يغني من جوع؟"

​لم يتزحزح جحا، بل اقترب من أذن التاجر وهمس بوقار الفلاسفة: "يا صاحبي، ومن قال إنني أريد الثوب كله؟ أنا لا أملك من العمر ما يكفي لارتدائه كاملاً، ولا من الرغبة ما يكفي لاحتكار جماله.. أنا أريد شراء 'نصفه' فقط."

​ارتبك التاجر وتلعثم: "ونصفه ماذا سيفعل بك؟ كيف تلبس نصف ثوب؟"

​ابتسم جحا ابتسامة غامضة وقال:

​"يا صديقي، العالم كله يصارع من أجل 'الكمال' وهو لا يملك ثمنه، فيخرج من المعركة مفلساً ومهزوماً. أما أنا، فقد تصالحت مع 'النقص'. أريد نصفه الذي يستر قلبي، واترك لك النصف الذي يستر كبرياءك. الثمانية دراهم هي ثمن الحقيقة التي أحتاجها، أما العشرون فهي ضريبة المظاهر التي تعبدها أنت."

​تركه جحا ومضى، بينما ظل التاجر يحدق في الثوب، متسائلاً لأول مرة: "هل الثوب فعلاً يساوي عشرين، أم أن جحا هو الوحيد الذي عرف قيمته الحقيقية حين عرضه للكسر؟"

الخلاصة: لا نحتاج لشراء النصف الذي يجعلنا مديونين.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

7574
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.