من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

من منصة التتويج إلى المجهول: حكاية محمود أبو دان المفقود في الحرب على غزة

د.فواز أبو جهل
من منصة التتويج إلى المجهول: حكاية محمود أبو دان المفقود في الحرب على غزة


الطفل محمود تامر محمود أبو دان .


تحدث د. فواز أبو جهل مدير مركز نور الحياة للتربية الخاصة ..غزة 

حول قصة الطفل الذي تم فقده أثناء الحرب .. 

لم يعرف الطفل محمود من العالم سوى ملامحه القريبة: بيت العائلة في مدينة غزة، حيّ الرمال الشمالي، الطريق المؤدي إلى مدرسة البطريركية اللاتينية، وضحكات الأطفال التي كانت تتسلل إلى قلبه رغم صمته.

يبلغ محمود من العمر ، 14 عامًا، من ذوي الإعاقة الذهنية، غير ناطق، كان يجد الأمان في الوجوه التي يألفها، وفي المكان الذي تعلّم فيه كيف يكون جزءًا من الحياة رغم قسوتها ...

التحق محمود بمركز «نور الحياة» للتربية الخاصة في مدينة غزة . حيث لم يتم التعامل معه 

  بوصفه «حالة»، بل إنسانا له حق التعلم واللعب والحماية والفرح. تعلّم محمود كيف يركض، كيف يشارك، وكيف يبتسم . وذات يوم وقف محمود على مضمار سباق الجري ضمن مسابقة الألعاب الأولمبية الفلسطينية لذوي الإعاقة، وركض بكل إصرار. لم يتعثر، لم يتوقف، بل سبق جميع المشاركين ، وعاد يحمل كأس الفوز وميدالية المركز الأول. 

كان محمود يعرف كيف يركض نحو خط النهاية، لكن الحرب سرقت منه الطريق.

 الحرب على غزة لا تعترف بالإنجازات، ولا تحافظ على حقوق الضعفاء. ومع تصاعد القصف أُجبرت عائلة محمود على ترك بيتها. وكان النزوح أشد قسوة حين وصلت الأسرة، في التاسع من تشرين الأول/أكتوبر 2024، إلى منطقة أصداء في مدينة خان يونس.

خيمة مؤقتة، مكان جديد، ضجيج وخوف، وأيام بلا ملامح. كل ما يُربك طفلًا عاديًا، كان مضاعفًا على محمود، الذي يحتاج إلى الاستقرار ليشعر بالأمان.

في ذلك اليوم، جلس محمود على باب الخيمة، بصفته أكبر إخوته، وبرفقته أخوانه الأصغر سنًا، لم يكن والديه داخل الخيمة في تلك اللحظة. دقائق قليلة كانت كافية لتتحول إلى فاجعة. عندما عاد والديه ، لم يجدا محمود. اختفى من المكان الذي ظنّاه الأكثر أمانًا.

لم يكن يستطيع الكلام، ولا يعرف الشوارع .. .المكان كل ما فيه صامتا مثلما هي لغة محمود الغير ناطق . كان طفلا صامتًا تائها في عالم مزدحم بالغوضى ، واصوات القصف جراء حرب الإبادة التي لا ترى الأطفال سوى أرقامًا.

 رحلة البحث الطويلة: قام الوالد بابلاغ إدارة المخيم الذي تم النزوح إليه ، ثم الصليب الأحمر، وأيضا إدارة الطب الشرعي في مجمع ناصر الطبي. وطرق كل الأبواب الممكنة، تواصل مع نشطاء عبر وسائل التواصل الاجتماعي، على أمل أن يسمع خبرا عن طفله .

لكن ما من جواب فالردود كانت صامتة نحو الاستفهام أين محمود ؟ كان الانتظار ثقيلًا مرهقا يومًا بعد يوم .

غياب محمود ليس حادثة فردية عابرة ، بل هي بمثابة صورة مكتملة لواقع ذوي الإعاقة في غزة تحت وطأة حرب الإبادة التي عملت على سلب كافة حقوق الإنسان الغزي فكيف وإن كان هذا الإنسان من ذوي الإعاقة حيث حرم من أبسط الحقوق كالرعاية اليوميةوالحماية وتوفير الاستقرار والأمان .

الطفل غير الناطق لا يستطيع الشرح، والطفل ذو الإعاقة الذهنية لا يعرف كيف يطلب المساعدة، وفي الفوضى يصبح أكثر هشاشة من أي وقت مضى. فالحرب لا تكتفي بتدمير الحجر، بل تُضيّع البشر واحدًا تلو الآخر.

كل خيمة في المخيم تحمل قصة خوف، لكن قصة محمود تحمل صمتًا أثقل: صمت أمّ لا تنام، وأب يكرر البلاغات، وإخوة ينتظرون عودة أخيهم الأكبر. صمت ميدالية معلّقة في الذاكرة، وكأس فوز لا يعرف طريقه إلى صاحبه.

حتى هذا اليوم، لا يزال محمود مفقودًا. لا خبر يؤكد حياته، ولا أثر يشير إلى مكانه. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال الأخلاقي معلّقًا: كيف يُترك طفل من ذوي الإعاقة ليضيع في حرب؟ وكيف تُنتهك حقوقهم بلا مساءلة؟

إن ضياع محمود هو نتيجة مباشرة لحرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، ونتاج لغياب منظومة حماية حقيقية لذوي الإعاقة في أوقات النزاعات. فقصة محمود ليست طلب شفقة، بل نداء حق؛ حق في الحماية، وحق في البحث الجاد، وحق في إعادة الاعتبار للأطفال الذين لا صوت لهم. فربما لا يتكلم محمود، لكن قصته تقول كل شيء.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

7575
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.