أمي.. المعادلة التي عجز العالم عن حلّها
كبرنا فجأة، واستيقظنا على حقيقة أن الحياة ليست بتلك البساطة التي رسمتها لنا أمهاتنا قديماً. كنا نظن أن الدواء "عصير"، وأن الغياب مجرد "سفر طويل"، لكننا اليوم أدركنا أن خلف تلك الكذبات البيضاء كانت هناك قلوب تحاول حمايتنا من بشاعة الواقع.
الآن فقط، صرنا نرى ما وراء الستار؛ صرنا نشعر بالدمعة المخفية خلف ضحكة الأم، وبالتعب المدارى خلف صلابة الأب. اكتشفنا أن مشاكلنا التي كانت تُحل بقطعة حلوى أو حقيبة جديدة، صارت اليوم جروحاً غائرة لا تضمدها إلا الدعوات. لم نعد صغاراً يمسكون بأيدي الكبار لعبور الشارع، بل صرنا نحن من نخشى عليهم من عثرات الطريق، ونراقب -بقلوب مرتجفة- كيف كبروا معنا، وكيف أوشك الزمان أن يسرقهم منا، بل ومنا من رحلوا عنه فعلاً تاركين في الروح غصة لا تبرأ.
اعتذار لعظماء التاريخ
نعتذر اليوم لكل من ظن أنه وضع قوانين لهذا الكون، فالحقيقة تكمن في مكان آخر تماماً: عذراً "فيثاغورس" فأمي هي المعادلة الأصعب، وعذراً "نيوتن" فجاذبية قلبها هي ما يبقينا على قيد الحياة. نعتذر لـ "أديسون" لأنها المصباح الأول في عتمتنا، ولـ "أفلاطون" لأن "البقعة الفاضلة" الحقيقية هي ركن صغير في قلبها. بل عذراً "روما"، فكل طرق الحب لا تؤدي إلا إليها.
أمهات الروح والدم
إن هذا الحب في حياتي لا يقتصر على امرأة واحدة، بل يتوزع في دمي بين أربع مجرات سكنت الوجدان. إلى أمي الحقيقية؛ منبع النور والصدق الأول. إلى عمتي؛ رفيقة الروح والغصن الذي يمدني بالظل كلما أحرقتني شمس الأيام. إلى جدتي؛ أصل البركة والدعوات الصادقة التي تفتح لي أبواب السماء. وإلى أمي في الروح والدم؛ يا من احتويتِ أحلامي وفهمتِ صمتي قبل كلامي، وكنتِ لي الملاذ الذي اختاره قلبي ليكون سكناً.
الجوهرة التي لا تتكرر
الآن عرفنا أن قسوة قلوبكنّ كانت حباً، وغضبكنّ حباً، وعقابكنّ حباً. يالها من حياة غريبة، وما أقصر العمر حين يقاس بلحظات الوداع. بكى رجل في جنازة أمه فقيل له: ما يبكيك؟ قال: "ولمَ لا أبكي وقد أُغلق باب من أبواب الجنة؟". هكذا هي الأم؛ المرأة التي لن تتكرر، والكيان الذي تُكرمنا السماء لأجل بقائه.
رسالة أخيرة
إلى كل من لا تزال "جنته" تمشي على الأرض: صُن تلك الجوهرة، قبّل يدها صباحاً ومساءً، استنشق عطر وجودها قبل أن يفوت استسند عليه رأسك لترتاح من عناء الدنيا.
اللهم اجعل أمي ممن تقول لهن النار: "اعبري فإن نوركِ أطفأ ناري"، وتقول لهن الجنة: "أقبلي فقد اشتقتُ إليكِ قبل أن.
وَمَا الفَخْرُ إلاَّ نَبْعُ كَفٍّ غَذَتْ فَتىً
تَهَابُ خُطَاهُ الخَيْلُ حِينَ تُغِيرُ
فَأُمِّي كَمُزْنٍ فِي الهَجِيرِ أَظَلَّتِي
وَبِالآلِ صَارَتْ صَعْدَةً لَا تَخُورُ
حَلِيلةُ عِزٍّ صَاغَ طَوْعَ بَنَانِهَا
رِجَالٌ لَهُمْ فِي النَّائِبَاتِ زَئِيرُ
فَيَا رَبِّ صُنْ شَمْسَاً أَنَارَتْ مَآثِرِي
فَمَا دُونَ لُقْيَاهَا الصَّبَاحُ مُنِيرُ
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك