بي بي سي رسخت مفهوم "الصحافة البطيئة" لمقاومةوباء الشائعات والكراهية
في عصر السرعة الإعلامية الجامحة، حيث تنتشر الشائعات كالنار في الهشيم، برزت هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) كرائدة في تأصيل مفهوم "الصحافة البطيئة" (Slow Journalism) خلال العقدين الماضيين، محققة إنجازاً أكاديمياً يُعدّ من أبرز مساهماتها في تطوير الصحافة العالمية.
هذا النهج لم يكن مجرد نظرية، بل سلاحاً فعالاً في مواجهة الإشاعات والمعلومات المضللة، التي أشعلت شرارة القلق الجماعي، والخوف، والكراهية، والعنصرية داخل المجتمعات، كما أكدت دراسات مثل تقرير "Reuters Institute Digital News Report" لعام 2024، الذي ربط انتشار الأخبار الكاذبة بارتفاع معدلات التوتر النفسي بنسبة 35% في أوروبا والشرق الأوسط.
تعتمد هذه المدرسة الصحفية – التي يمكن وصفها بـ"الحركة البطيئة" في عالم الإعلام السريع ، على مبدأ أساسي مفاده: تفضيل الدقة والمصداقية والشمولية على السبق الصحفي وضغط الوقت.
يبرر أتباعها ذلك بأن التأني يمنح الخبر فرصة "النضوج"، مما يقربه من الحقيقة الكاملة ويبعده عن الكذب أو المبالغة.
دخل المصطلح رسمياً قاموس أكسفورد للصحافة الأساسية (The Oxford Dictionary of Journalism) عام 2007، حيث عُرِّف بأنه "صحافة تأخذ وقتها في التحقق والتطوير، شريطة أن تخرج صحيحة وموثقة".
ومن أبرز روادها الكندي جينغل جونز، الذي نشر كتاب "Slow Journalism" عام 2012، مستلهماً حركة "الطعام البطيء" الإيطالية ليؤكد أن "الجودة تفوق السرعة في بناء الثقة العامة".
وقررت بريطانيا زيادة التمويل المخصص لـخدمة (بي.بي.سي ورلد) التابعة لهيئة الإذاعة البريطانية خلال السنوات الثلاث المقبلة، مشيرة إلى الحاجة المتزايدة لتزويد الجمهور العالمي بأخبار محايدة في وقت يشهد صراعات وحجبا إعلاميا في أنحاء العالم.
شهدت BBC تطبيقاً عملياً لهذا النهج في تغطيتها لأزمات كبرى، مثل جائحة كوفيد-19، حيث أطلقت برنامج "Reality Check" الذي خصص أسابيع للتحقق من آلاف الادعاءات، مما قلل من انتشار الشائعات بنسبة 40% حسب إحصاءاتها الداخلية.
كما طبقته في تغطية النزاعات الجيوسياسية، مثل الحرب في أوكرانيا، حيث فضلت التقارير الشاملة على التحديثات اللحظية. هذا النهج ليس رفاهية، بل ضرورة في زمن ينتشر فيه 60% من الأخبار عبر وسائل التواصل المشبوهة، كما يشير تقرير "Poynter Institute" لعام 2025.
من المؤسف حقاً أن نشهد صحفيين ينقلون الأخبار دون تفكير منطقي أو أدنى تحقق ، مما يغذي الدورة الشريرة من الخوف والانقسام.
إن "الصحافة البطيئة" ليست دعوة للتوقف، بل للتقدم بحكمة، محولة الإعلام من مصدر فوضى إلى منارة حقيقة.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك