من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

وهم التحضر في عباءة الهمجية

القاهرة : " نقاش "
وهم التحضر في عباءة الهمجية


هل انقرضت الهمجية حقًا؟


كانوا يقولون إن الهمجية مرحلة وانقضت وإنها لا تسكن إلا في خرائب الماضي وفي رؤوس القبائل التي لم تعرف المدن ولكني حين أنظر حولي أراها تمشي معنا وتنام بيننا وتتكلم لغتنا بل وتخطب فينا أحيانًا باسم الوطنية أو الدين أو الهوية وتتصنع الأدب وهي في أعماقها لا تزال تصرخ من قاع الغابة لا تطيق الحوار ولا تفهم سوى قانون القوة حين تلبس الهمجية عباءة الحداثة فإنها لا تصبح أقل وحشية بل أكثر خداعًا.


العرف قبل الضمير


الهمجي لا يحكم بما هو أخلاقي بل بما هو مألوف فهو يرى القاتل بطلاً إذا قتل دفاعًا عن تقليد ويرى المسامح خائنًا إن هو عفا عن منتهكٍ للعرف هو لا يسأل عن العدالة بل عن الأعراف لا يسأل هل هذا الفعل ظلم أم رحمة بل يسأل هل فعلها أحد قبلنا وهل اعتدنا على ذلك وإذا واجهته بحكمة الأنبياء أجابك بحماسة الجاهلية وإن حدّثته عن العقل قال لك لكن عاداتنا تقول.


الشعار قبل الإنجاز


ثم إنه يهوى الهتاف كما تهوى الطيور التغريد هو لا يرى في البناء مجدًا بل يراه عبئًا ولا في الطريق المستقيم نورًا بل طريقًا طويلاً مملاً يهتف للحرية ثم يسجنها يهتف للعدالة ثم يجلدها يهتف للوطن وهو ينخره من الداخل عاشق للشعارات لا المنجزات تراه يهيم بحب القائد لا لأنه أنجز بل لأنه صرخ عاليًا وأسمع القوم وهْمًا يحسب أن الكلام يصنع خبزًا وأن الصراخ يبني مدرسة.


الجماعة فوق الإنسان


ولو عشت بين الهمج لعرفت كيف يُدهَس الفرد تحت أقدام الجماعة الهمجي لا يرى الإنسان كقيمة بل كظلٍ من ظل الجماعة فكرامته في قبيلته لا في ذاته وإن خالف قومه صار عاقًا وإن فكّر وحده صار ضالًا هو يرى في العقل الفردي خطرًا على سلامة القطيع وفي الحرية إهانة للعرف وفي التعددية خيانة للهوية الهمجي لا يرحم لأنه لا يملك نفسه ولا يسامح لأنه ضعيف الثقة بنفسه.


وهم التحضر في عباءة الهمجية


وأنا أرى أن أخطر أنواع الهمجية هي التي تتحدث باسم المدنية وتتخفى تحت عناوين النهضة والدستور والدين فتراها تقيم احتفالات للحرية وهي تخنق المختلف وتغني للوطنية وهي تسرق الوطن تتشدق باسم الديمقراطية وهي لا تقبل بصندوق إلا إذا جاء بنتيجتها تتصنع الثقافة ولا تنتج إلا الضجيج تتحدث عن الإنسانية ولا تتوقف عن جلد البشر هذه هي الهمجية المتحضرة التي تعيش بيننا تبتسم في وجوهنا وهي تخفي السوط خلف ظهرها.

وإذا أردنا أن نخرج منها فلابد لنا من طريق طويل لا يُسلك بالخطابة بل بالعلم ولا يُعبد بالعصا بل بالتعليم ولا ينهض بالخوف بل بالفن والثقافة والتنمية والحرية حينها فقط يمكن أن نكتب على بوابة المجتمع أننا قد ودعنا الهمجية وأخذنا نخط أولى جُمل الإنسان.

قد يحسب القارئ أن الهمجية قَدرٌ محلي أو مرض عابر للقوميات بينما الحقيقة أنها ميلٌ دفين في النفس البشرية لا يعرف جنسية ولا ديانة ولا لونًا إنه انحدار الإنسان إلى غرائزه حين ينسى عقله أو يُهمّش ضميره ولذلك فإن المعركة مع الهمجية ليست مع طائفة أو قبيلة أو فئة بل مع ذلك الجزء المتوحش القابع في أعماق كل فرد فينا نحتاج أن نروضه لا أن ننكره نكشفه لا أن نغطيه بثوب من الشعارات والمقدسات ، وحين تفشل الدولة في بناء مدرسة ناجحة وكتاب صادق ومسرح جريء وقانون عادل وفن راقٍ فإنها لا تبني وطنًا بل تصنع قفصًا كبيرًا يمشي فيه الناس على قدمين ويظنون أنهم أحرار وما هم بأحرار لأن الهمجية لا تُهزم بالسجون بل تُهزم بالوعي والفن.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

7656
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.