من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

تفاصيل الطزاجة ..قراءة في ديوان الشاعر عبد الرحمن الأبنودي: "الفصول"

مصطفى جوهر
تفاصيل الطزاجة ..قراءة في ديوان الشاعر عبد الرحمن الأبنودي:

يقول د. مصطفى ناصف في مقدِّمة كتابه (اللغة والتفسير والتواصل): إن "التأويل حوار خلاَّق بين النَّص والقارئ. حوار يضفي على النَّص معنى، يشارِك فيه طرفان. ليس للنَّص معنى بمعزل عن قارئ نشيط يستحثه، ويقلِّب فيه الظنَّ بَعد الظنِّ، ويتصوَّره قادرًا على الإلهام، وعبور المسافات الطوال، والفروق الممتدة بين الحاضر والماضي. التأويل لا يثق في التفرقة بين فكرة القديم والحديث، إننا نحب أن نرى بعيوننا، وليس للنَّص من معنى بمعزل عن همومنا ومآزقنا ومخاوفنا وآمالنا جميعًا."

لذا حاولت أن أنقل إليكم ما قرأت، زاعمًا أن النَّصَّ - الذي يُكتَب نَصًا واحدًا - لابد أن يكون في ذهن القارئ الواحد نَصَّيْن؛ النَّص المكتوب فعلاً، والنَّص الموازي، الذي استطاع القارئ أن يكوِّنه عبْر معطيات النَّص المكتوب، وعبْر ثقافته وميوله.. إذًا هي محاولة لتأويل بعض قصائد ديوان الفصول.


لقد استطاع عبد الرحمن الأبنودي – بذكاء حاد – أن يوزِّع قصائد الديوان (المكتوب بين عامى 1968 – 1970) بادئًا إيَّاه بـ (الفصول)، ومغلِقًا بابه بـ (قصايد)، وبين هاتين الضِّفتين أجرى نهرَه(!) لحاجة في نفس الأبنودي قضاها، أو لعلَّةٍ بلغتني أثناء القراءة؛ إذ كان الجزءان الأول والأخير مجدافَي الأبنودي، خارجًا بهما من خليج ضاق عليه، وركَد ماؤه، منطلقاً نحو بحر هادر متجدد الأمواه..

ففي الجزء الأول؛ (الفصول)، ثمة تنويعات على حالات مناخية، لكنه لم يعبأ بمسميات الفصول الأربعة، التي نعرفها، وليست فصولًا في حد ذاتها، إلا أن دلالتها تلتصق بالأذهان، وبشكل أكثر تحديدًا من الفصول ذاتها، التي تميع فيها – وبين جدران الفصل الواحد - أحوال المناخ المتبدِّلة، من شتاء إلى صيف ومن أمشير إلى الخماسين؛ باحثًا في قصائد هذا الجزء عن الربيع، ولكن أليس مكرًا منه أن يكون حادًا في اختياره؟ فمعرفتنا أن الربيع والخريف فصلَا الاعتدال، جعله ذلك يترك الحديث عنهما مباشرة، ليؤكد أنه صاحب موقف حاد: فهو شتوي أو صيفي، قاس أو متبنٍّ لانطلاقات أمشير والخماسين.. أو لعلَّه يرى - في هذه الدوامات، التي تخلُقها هذه الحالات تحديدًا، (الشتاء - الصيف - أمشير - الخماسين) قوةً قاهرة، يظَل عبْر القصائد يؤكد أنه وحبيبته وأصحابه - بتعانُقهم وتداخُلهم - سوف يثبُتون في وجْه هذه القُوَى.

تبدو قصيدة (الشتا) مقاطعَ أو دفقاتٍ متتاليةً عن ذلك الغاشم، الذي يتحقَّق بمجيئه بُعد الأصحاب ظاهريًّا؛ فلا صديق يدُق الباب، ذلك الباب المغلَق، الذي يواري مجيء وغياب القمر، هذا القادم استطاع أن يسجننا بكفِّه العريضة، وتتخلل دقَّاتُ حذائه غُرفَنا، وما تحت جِلدنا، يأتي بظلامه وضبابه؛ ليُخرس الألسنة، ويفرِّق اللمة، ويفقأ العيون، ويترك الجميع في دوامة من الوحْشة، إلا أن الأبنودي يلوذ بأصحابه ويطمئنهم: "فما تفزعوش يا صحابي تحت الزمن"؛ لأنه واثق في ربيع آت بغصون مورقة جديدة، وصبح عفي دافئ.. ويتكئ الأبنودي في قصيدته على الصورة الجزئية البسيطة العميقة "بارد.. عريض الكف.. خاوي العينين" "تُركي غشيم الشِّنَاب"، "تنطفي لذة ندوق الفرحة في الأحزان"، مؤكِّدًا على هذه الصور المتناثرة بنَص يحمل رؤية كلية، وإيقاع حزين.

للوهلة الأولى قد تبدو (قصايد تانية للشتا) احتفاء بالشتاء، أو رغبة في قول ما قد سقط من القصيدة الأولى، إلا أن هذه القصيدة تحمل الجانب الإيجابيَّ لمجيء الشتاء؛ فهي لسان حال الذين سقطت عليهم كف هذا القاسي، ورَدُّ فِعلهم حيال قسوته، إذ ليس للأصحاب إلا بعضهم، يستمدون دِفأهم من بعض، وتماسُكهم سوف يُزيل ركام الرعب الذي ولَّده الشتاء بمجيئه.

إن حالة الجنس الدافئة، التي يتبعها بالضرورة ميلاد جديد للربيع، الذي يبحث عنه الأبنودي، كان ذروة التماسُك: "بَاطِك على باطي/ فمِّك على فمّي/ رِجليَّا حواليكي/ لبلابة، عنباية/ مستنية فصل الورَق والزَّهر/ تطرح على الواطي/ تطرح تطول اليد عناقيدها" "لكن يخلِّيني ادفِّي مراتي"؛ فهذا التماسُك هو الذي يستطيع أن يقف صامدًا أمام أنياب الشتاء وسوطه، ويَظَل الربيع حلمًا منتظَرًا.. ويَظل عبد الرحمن الأبنودي متكِئًا على صوره الناصعة الخاصة: "ريحك نيبان تِعبان" "الوحدة غابة حَشَّها منشار".

تهُب قصيدة (أمشير) من مطلعها بإيقاع متحرِّك كالرياح؛ لتكون حالًا من أحوال القادم: "غضوب النفس والعيون والحناجر"، يغلِق ويفتح ويعرِّي ويسبُّ الجميعَ، هو قادم للخراب؛ لأنه مولود في خراب وعدم: "كإنه اتولد جوه قلب التراب"، ثم فجأة يلين إيقاع القصيدة؛ ليناسب حال الذكرى والتذكر: "حبيبتى افتكرت النسايم/ ليالي الربيع الشهيدة" باكيًا على الحياة، التي أحالها أمشير إلى طلَل، وكأن الشاعر وذكرياته يخرجون من تحت وطأة هدَدٍ عظيم سبَّبه أمشير: "دموع المسيح تحت تُقل الخشب والحقيقة" متذكرًا حاله وحال حبيبته وأصحابه: "ما كُنَّاش بنِنْشف كدا في العراء والسَّموم والأذية/ ما كُناش طروف يابسة يَم السما/ بترفعهم الشجرة المتصابية/ بُعاد مطووحين عريانين/ لَوَاهم وهوَّ مهاجر/ يشيل التراب من بلد لبلد".

لقد تعلَّمنا الدرس، ولن نظن ببلاهة أن ما يُقال لأمشير ثانية استكمالٌ لما قيل؛ بل إنه في (قصيدة تانية لأمشير) يرثي لحال أمشير، ويكون لسان حاله، فأمشير – المُسيَّر المُضطَر – غريب: "عادِم كمَيِّ البيار" "ضايعة حلاوة المعنى جوه الغبار"، ثم يتماهى الشاعر مع أمشير: "علمتني العطش/ يا ريقي القُماش/ مِتْحاش في زُور فخَّار". إن حالة أمشير مرحلة انتقال بين الشتاء والربيع؛ فرحيل طوبة يؤذن بانتهاء البرد، واقتراب الربيع؛ لذا يطرُق الشاعر هنا جانبًا جديدًا في تكوين أمشير؛ فهو مرحلة بَينية، وعليه تنتاب الشاعر حالة بَينية أيضًا: "وعرفت تحتك كيف أكون/ لا حُر ولا مسجون". وكما أشرنا من قبل إلى أن الشاعر حادٌّ في مواقفه، يرفض المواقف البينية الرمادية؛ فيرى أن هذه الأيامَ ضائعةٌ، لا تُعد من عمْر الإنسان: "وعرفت تحتك كيف يفوت العمر/ بدون ما اقف فيه أو أمُرّ" إلا أنه في نهاية القصيدة يرحِّب به؛ لأنه دليل تحريك الركود والتجدُّد – وهُنا يطرُق جانبًا ثالثًا جديدًا – إن أمشير برياحه كأنه (الخاطبة)؛ ينقُل حبوب اللقاح، ويحدِّد شَعر الماعز والأرانب، ويكون بذلك حركة منتظِمة تتنافي مع هجومه وأتربته، وتَتَرِيَّته، قادرة – هذه الحركة – على تعليم البشر الرقص مثله، وحساب السنين – بتجديده للأيام – بطريقة جديدة ومختلفة، هذا النَّص قدَّم فيه عبد الرحمن الأبنودي أمشير بثلاث حالات مختلفة متنوعة منتصِرًا له عبْر نَص مكثَّف محكَم البناء.

رغم كل ما يُقال عن الربيع، وما يوصَف به، فإن الخماسين تبقى نقطة سوداء تشوِّه هذه الروعة، ترى الأبنودي هُنا عجوزًا عرَكْته السنون، يتمثَّل حكمة الأيام، رغم حداثة سِنه: "إيه اللي شيَّبني كده قبْل الأوان؟" فهذا الذي نُزعِتْ منه ضحكته تعلَّم أن يميل – مؤقتًا – كالشجر القديم العجوز، الضارب جذوره في الأرض، حتى تمُر الرياح "خماسين شديدة واحنا ميَّلنا".

ويظَل للصيف عند محِبيه معتقدٌ راسخ سائد؛ فهو فصل السهر والسمَر، لكنه في الحقيقة فصل موات؛ إذ يأتي بعد الربيع؛ فصل الميلاد.. فها هي زرعته وسنبلته تركته "نبت الرحيل".. "وبِتعدّي/ وبادبح حِبَال صوتي".. "وبتختفي في النور".. إن للصيف ثِقَلًا على القلب، يدعو للخمول: "عدَّى عليَّا الصيف وانا قاعد" تبدو قصيدة الصيف وكأنها عدودة طويلة، لم يخْلُ مقطع من مقاطعها من تجسيد الموت بصورة من صوَره: "يا بُرج عالي في طريق الواحة/ لمَّا وقَع؛ شَتِّ الحمام ورَاحَا".. "دِرَاعيا مرميَّة على سروال".. "رِجَّالة بادرين الأراضي يتامَى".. "والموت على تراب الجسور واقف بيتْحَنْجَل".. "يا صيف.. وجيت ليه؟/ كل شيء مات تاني"، وكأن حالات الموت المتناثِرة كان الصيف ضالعًا فيها، بذلك يتحقق لنا أن الشتاء القاسي ببرده، والصيف المميت بصهْده قُوَّتان – على تناقضهما – يمثِّلان فكَّي كلَّابة تريد أن تقبض روح الإنسان.

وتُعد قصيدة (ضِل الجو) مجمَع الفصول، هناك حالة من التبدُّل الخاطف السريع، يجعلك تلهث وراءه، فالشاعر وحبيبته ينتقلان من سكون "ننام زَيّ الجُثَث" إلى حال العشق "انتي اللي كنتي الابتسام.. وانا اللي كنت العين"، ثم تُصاب العلاقة بفتور غامض "دلوقت بيضايقك دراعي انْ تِمِس/ دراعِك الممدود"، هذا التنقُّل يشعرك أن الأبنودي يحرِّك كُرة أرضية، تمُر عليها الفصول متتابِعة متلاحِقة، من سكون صيفي أو كُمُون شتوي، فربيع العلاقة واكتمالها، ثم خريف يدُق طبول النفور، فينهال – وكأنه لا يعرف – بأسئلة متتالية عن أسباب التغيُّر، ثم يقف قبْل المقطع الخاتم للقصيدة بسطرَين عذْبَين، يضع فيهما كل شيء: "جِسِّي شفايفي بصوابعك/ وحِسِّي طعْم العبَث"، إنها حقًّا مجمْع الفصول، لكن بينه وبين حبيبته، فالعامل الخارجي يعيش في سكون مميت؛ فالبحر يتخلَّى عن حركته، ليصير سطحًا هادئًا راكدًا بلا حركة، بينما حجرتهما الضيقة تتسع للأعاصير "البحر مرصوف بلاط/ الأوضة وِسْع النَّو".

ويُعد الجزء الأخير من ديوان الفصول؛ (قصايد)، ذراعَ الرافعة الثانية، أو المجداف الثاني، الذي أعان الأبنودي على اقتحام بحر جديد؛ فقصيدتَا هذا الجزء لا يمكن – اعتمادًا على بنائهما الجمالي – أن تسجنهما تصنيفات النقاد في الحقبة الستينية؛ تحتفي قصيدتَا هذا الجزء بالعادي والهامشي واليومي، كمحاولة لإسباغ حال الهزيمة على كل ما يحيط بالشاعر، مهما صغُر حجمه أو أهميته؛ ليحيلك إلى سكون الهزيمة الجاثم على قلب الأمة، فالبيت القديم وَهْمٌ في حياة الشاعر وصاحبة البيت، البيت قديم (رَدِيم)، إلا أن بقاءه في شارع له رونقه وحِفاظه على بعض كيانه "له نمرة ع البوابة/ له سِلِّم قديم"، كل ذلك أكَّد وهْم بقاء حال البيت، ليس في نظر صاحبته؛ بل تسلَّل الوهم عبْر نظرة السيدة إلى ساكن البيت، إن الليل مخيف في هذا الطلل، ومرور الوقت مرهون بمجيء صاحبة البيت، ونظرتها الواهمة له، كلنا ينظر لتاريخه تلك النظرة الواهمة - حتى الأنظمة والحكومات ترسِّخ هذا - وتظَل هذه النظرة الواهمة لا ينتج عنها سوى ضياع العمر، وتظَل هذه النظرة مُزخرِفة للطَّلَل، غير قادرة – لتوهُّمها بجَماله – أن تُعيد إنشاءه من جديد، وعليه يظَل الإنسان في قلب الأحداث مصدِّقًا لهذا الوهم.

يكمل الأبنودي حالته في قصيدته (الأشياء)؛ فالأشياء "فِضلت واقفة زَي الصُّلبان/ زَي المُدن المدبوحة المطاطية المهزومة/ بعد الحرب بيوم"، إن قصيدة الأشياء تغويني، ورغم محاولاتي للتملُّص من هذا الإغواء؛ لا أجد مناصًا إلا الاستشهاد بها كاملة؛ دليلًا على قفزة الأبنودي – من قديم – وتفوُّقه على نفسه، وليس على مجايليه فقط؛ لذا يجدر بي أن أختم بها هذه القراءة..

الأشياء

****

لما لَمَستْها الشمس الصُّبح؛ ما صِحْيِتْش/ ما ابتْهَجِتْش ما لمْعِتْش ما غَنِّتش/ فِضْلت واقفة زَيّ الصُّلبان./ زَيّ المُدُن المدبوحة المِطَاطِية/ المهزومة/ بعد الحرب بيوم./ ما أتعس موت الأشياء/ والزمن اِنْ جَفّ/ ولا يصبح للأشياء ضحكة ولا روح ولا كَفّ./ بَرْد الموت يتَّاوب في الحجرات./ تمشي فـ بيتك بين جدران وحاجات/ أموات./ لا الساعة تدُق/ ولا تفِر النسمة كتابك/ ولا تتْبَسِّم ع الحيط/ ولا تفضل زعلانة الرسومات./ في شعاع الشمس الداخل م الشبابيك/ تِصْفَرّ وشوش الناس المحبوبة إليك/ اللي معلِّقهم حواليك./ وكإن العالم مرسوم أو مطبوع/ وكإنه مقطوع الشريان./ يدْبَل تحت الشمس الشمع كإنه/ أشياء ثابتة وجدران./ كإنه جسَد الغرْقان بعد الغرَقَان./ وفتحت الشبَّاك للريح؛/ لم تهتز حاجاتي ولم ترفع أجفان./ ولا مِسكتني من ديل توبي/ ولا ندهت بالإسم عليَّا/ زَيّ زمان./ يا ويلي من بيت/ الأشياء فيه/ مسجونة وسجَّان./ إمتى الربيع المقتول في قيعان الوديان..؟/ إمتى الميه الحمرا الحلوة حتجري وتتدحدر في القِنيَان..؟/ والشمس يكون لها اسم ومعنى وعنوان؟/ يملا فَضَا الدنيا/ صوت هَزّ غصُون لَاغْصَان..!/ الأشياء ماتت/ الرسومات ع الجدران/ كرسي الشاعر/ والشمس الشمع/ حِبر المعْنَى في الدِّويان./ واحنا هايجين بنْدُور/ زيّ البحر المسعور/ في الرقص المجنون النور/ المسحور الفرحان/ باين/ كان متعلِّق في إيدينا/ خيط المُر الصبر الكِتَّان./ لَفِّينا.. لَفّ./ ولمَّا انتهت الرقصة/ كُنا في الأكفان!

أكتوبر 1968

كُتِبتْ هذه القصيدة عقب هزيمة 67 بعام ونصف تقريبًا، بعد أن راحت السَّكْرَة وجاءت الفكرة؛ لذا جاءت غير مباشرة، منسلخة عن الصوت الزاعق، الذي مزَّق النفوس أثناء الهزيمة، جاءت القصيدة عاقلة، باحثة، وراصدة لحال الشعب في صورة مصغَّرة مُنتقاة بعناية، إنها حالة الشاعر الواعي، الذي يحب وطنه بعقله، كما تحرِّكه عواطفه، انصبَّت القصيدة على الأشياء المحيطة بالشاعر، والتي انتقلت من حال الحركة إلى الكُمون والذبول، ورغم أنها أشياء جامدة إلا أنه استطاع أن يُضفي عليها حركة كانت تأتي بها، إلى أن جاءت الهزيمة بثقلها؛ لتجثم على صدْرها، مانعة إياها من الفِعل، حتى في أدق لَفَتَاتها: كضِيق الصور من أشعة الشمس، التي تحيلها إلى أوراق صفراء، لم تعد هذه الأشياء تألَف صاحبها، فقد كانت كحيوان أليف يجري عليه، أو طفل صغير يشدُّ ثيابَه، أو حميم يعايشه ينادي عليه، إنها حتى لم تعد تستجيب لفِعل الهواء بها. لقد صارت في موات كامل، وقد استطاع هذا الموات أن يحتلَّ المكان بما ومَن فيه: "بَرْد الموت يتَّاوَب في الحجرات"، حتى أن الرقصة الأخيرة لم تكن سوى رقصة الذبيح، الذي نسَج كَفَنَه من حلمه وأمله، أثناء رقصته.

اعتمدت القصيدة على الصور الجزئية، التي استطاعت في النهاية أن تتكاتف؛ لتعطي صورة كلية تامة لحالة الموات، ينتقل الشاعر عبْر تنويعات الوقوف والموات لامسًا أشياء هامشية ويومية، كالجدران والحجرات ودقات الساعة.. وغيرها كثير.. هذه الحالة من الموات لا تفيد في إحيائها رياح، لقد استكانت كجثة مهزومة؛ بل إن الصبر حَبْلٌ مفتول، لا طوق نجاة، يلتفُّ حولنا – كلما دُرنا في رقصنا المحموم – كحبل المشنقة، لذا كان لا بد من صرخة متسائلة (إمتى الربيع المقتول في قيعان الوديان؟ / إمتى الميه الحمرا الحلوة حتجري وتتدحدر في القِنيَان؟)

وقد قال الكاتب الكبير يحيى حقي: "إن أفضل الأعمال هي التي كُتِبتْ لها مقدمات طويلةٌ، ثم حُذِفتْ. كما أن الإبداع يعتمد على ضِيق العبارة واتساع المعنى؛ فتركيز الكاتب على نقطة التكثيف عند تنقيح عمله بعد كتابته الأولى، ولَمّ خيوطه المبعثَرة، هي العملية الأكثر مشقَّة في مشوار الكتابة، فيقول الروائي ميلان كونديرا: "إن قراءته لعمله بعد أن يفرُغ من الكتابة الأولى له، كالمشي حافيًا على زجاج مهشَّم، هي عملية مضنية؛ يبتُر الأديب فيها أجزاء عزيزةً عليه من جسده/ عمله الأدبي؛ ليحافظ على جَمال هذا الجسد، خارجًا به من دائرة التشوُّه.

من هنا سنجد أن القصيدة – رغم انفتاحها على العادي والهامشي واليومي - عادت للسقوط في آفةٍ وُصِمَتْ بها القصيدة الستينية؛ فقد وقعت القصيدة في شَرَك الترهُّل أحيانًا، حينما استرسل الشاعر في مدِّ الصورة، لكنه لم يأتِ بجديد يجعلها صورة ممتدة؛ بل كان نسخة متغيِّرة - شكلًا - عن الصورة الأولى، تعطي نفس الدلالة، حتى وإن حاول أن يستند إلى مفردات وتراكيب أقوى، فـ (المدن المدبوحة المطاطية المهزومة بعد الحرب بيوم) كانت ستمتاز بنصاعة إذا سقطت عنها صِفتَا (المدبوحة المطاطية)؛ لأنهما صفتان ملازمتان لأيِّ مدينة مهزومة، كما أن (ما لمعتش وما غَنِّتش) بعد (ما ابتهجتش) لم تضيفا شيئًا؛ لأنهما فعلان لازمان للبهجة، يصلان للعقل بشكل بديهي لا يحتاج إلى الذكر والتوضيح.

وفي (كإنه جسد الغرْقان بعد الغَرَقَان) لم يضِفْ هذا التوضيح. والأغرب أن سقوط هذه التراكيب والمفردات لن يُخِلَّ بمعنى أو وزن القصيدة، بل سيجعلها مكثفة.

إلا أن هذا التمديد للصورة والإسهاب كان فاعلًا ودالًّا في مرَّات أخرى، كما في (ولا يصبح للأشياء ضحكة ولا روح ولا كَفّ) فللضحكة دلالة البهجة، وهي دلالة مغايرة عن دلالة الروح، وعن دلالة الكف الفاعلة.

كانت محاوَلة لقراءة القصيدة واستنطاق معطياتها للاستفادة من تجارب السابقين علينا، ولتلافي ما قد يراه البعض – وأنا منهم – عيبًا، والتمسُّك بكل مزيَّة تضيف للنَّصِ وكاتبه.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

7693
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.