المولد
"الناس بتعمل أفراح يا عم الشيخ وبترقص فيها، واحنا في فرح سيدنا النبي… ألووو يا مدرسة!"
منذ أكثر من ثلاثين عاماً اعتَدتُ التواجد في المولد السنوي في القرية، بحكم العادة وبحكم كون جدي -رحمة الله عليه- أحد طرفي الزعامتين القائمتين على إحياء المولد والاحتفال بالولي القابع تحت قبة الضريح، منذ الليلة الأولى إلى احتفال الخميس المعروف بـ "الليلة الكبيرة"!
في ليلة من تلك الليالي، التقط الميكروفون واحد من الدراويش وقال العبارة التي في صدر المقال. ولطالما ترددت هذه العبارة في أذني؛ للوهلة الأولى قد تبدو عبارة ساذجة، لكنها في الحقيقة عبارة تكشف للمتأمل ذروة الصراع الذي وصل إليه التيار الصوفي مع التيار السلفي مؤخراً -مع التحفظ على المسميات- حول حرمة ذلك أو شرعيته!
بحكم تأملي وخبرتي منذ صغري في هذا الجانب الاجتماعي للمصريين، نجد أن "المولد" هو مكان شديد التناقض؛ بين المتعلّق بروحه في رحمة الله وبين الواقف أمام طاولة القمار، بين الأعلام الخضراء والشارات الصوفية والسيوف ومنصة المنشد والناي والعود وعمائم الفلاحين وقبعات المتصوفين وتمايل الذاكرين السكارى حتى الانجذاب والسقوط لانفصال أرواحهم نحو الأعلى، بين طبقات الذكر وسجع الأوراد بمفرداتها البديعة التي لا يفهمها معظم الواردين، وبين البائعين الأغراب المرسومة على وجوههم آثار الزمن والمشاجرات، بائعات الحمص والحلاوة، ألعاب الأطفال المشهورة، "الطراطير"، الخواتم والسلاسل "الفالصو" التي تصدأ في اليوم التالي من شرائها، مراجيح متهالكة تعد بمثابة السعادة المطلقة لكل طفل، يا حبذا لو أنه ركب حصاناً بمفرده في أرجوحة الأحصنة والعربات الدائرية المعلقة بالسلاسل، على إيقاع الطبلة المعلقة في العمود الحامل للمرجيحة في مركزها.
تشتمُّ رائحة الطعام الشعبي النفاذة على بعد خطوات.. طعمية، باذنجان "عروس"، بائعة المهلبية الملطخة باللون الأحمر، بائع الترمس بعربته المزعجة دائماً بما تحمله من مكبرات صوت رديئة الجودة، بائع عصير القصب حين يغمر الكؤوس عشرات المرات في برميل المياه نفسه دون فائدة من نظافتها، بائع الحلوى مجهول الهوية، بائعة الفاكهة التي لم أرَ من يشتري منها قط!
ثم إلى المتحرشين و"البصاصين" والمشاجرات الدموية في نهاية كل موسم، إما بين البائعين بعضهم البعض أو بين المقامرين، أو بين القرى المجاورة لأسباب واهية، وعلى كل حال رائحة الحشيش والبانجو والدخان في الخلفية تغلف الصورة وتوضح الكثير من الأمور!
طاولات القمار بألوانها الزاهية، "الزهر" ولعبة "الجوز والفرد" التي لعبتها صغيراً، ودائماً ما كنت أخرج بأقل الخسائر، يغفر الله لي. البنات غيرُ الحسناوات اللاتي يقفن على لعبة النيشان لجذب اللاعبين من الشباب لاستعراض مهاراتهم في التصويب، ولحشو دمية العرائس بين فخذيها بالمفرقعات "البومب"؛ كدت أفقد عيني ذات مرة من "رايش" الزلط في هذه اللعبة ببنادقهم الخربة القديمة، لكن لا بأس، سن المراهقة مليء بالأفكار العبيطة!
منذ صباح يوم الليلة الكبيرة حتى بعد الظهيرة، كان بيت جدي القديم يكون ممتلئاً بالنذور التي لا ينفك أهل البلدة عن إرسالها تباعاً من كافة الأطعمة؛ النار لا تنطفئ من الصباح، رائحة الطعام والخير تسيطر على الأجواء، يُطهى ويقدم في المساء للشيوخ والوافدين الأغراب والمحاسيب والدراويش والمريدين، وكذا حال المنافس على الطرف الآخر، وكل واحد له محاسيب يرونه الأجدر بإقامة مولد سيدنا!
من يطعم الطعام ويقوم على خدمة الزائرين، والضيافة والجود بما هو موجود من مشروبات شعبية، "الشربات" المائع اللذيذ المتدفق طوال حركة "الزفة" من بيوت القرية، تتودد به النساء سقاية لأهل الله لينالوا البركة، والأطفال متناثرون في كل مكان كأنه يوم عيد!
المدح النبوي ومدح آل البيت والذكر غير المنقطع، حالة الوجد المصاحبة للإنشاد والموسيقى التي لا يمكن إنكارها، قراءة القرآن مسنداً ظهرك على خشب الضريح بلونه الأخضر ورائحة البخور والشموع تغزو صدرك وعقلك، والناس حولك في دائرة مركزها روح لا تنتهي، بين تقبيل للسياج ودعاء وتضرع وتوسل بجهل وبعلم، والغاية واحدة والمضمون أعمق من أن تشرحه الكلمات!
التقط بعض أعداء المذهب الصوفي هذا الخيط المتجلي في الاحتفالات الشعبية ليصبوا انتقادهم اللاذع على الصوفية من منطلق هذه الظاهرة الاجتماعية الشعبية، في إشارة منهم إلى أن هذا هو التصوف وهؤلاء أهله، وهذا افتراء محض بلا شك. ليس هذا بالتصوف، ويعلم المنتقد قبل المؤيد ذلك؛ هذه حالة اجتماعية مصرية اختلط فيها الحابل بالنابل، والقديم بالجديد، والعلم بالجهل.
وعلى الرغم من أصالة المذهب الصوفي وصفائه ونبل هدفه، فإنني لا أرى عيباً في أن السواد الأعظم من الأتباع الحاليين هم من البسطاء والحرافيش، فرغم التجاوزات لا تزال الفطرة سليمة.. ومن يتخذ من هذا ذريعة للنقد، ربما يكون مثل الذين قالوا لمن آمن مع نوح: ﴿مَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾، فظنوا أنها حجة عليهم، والحقيقة هي حجة لهم، حيث سرعة استجابة فطرة من وصفوهم بـ "الأراذل" الذين يصدقون أول الرأي والدعوة، هي فطرة أهل الإيمان: "فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ".
هذا وصف لحالة وظاهرة اجتماعية طالما كنت شاهداً عليها وربما جزءاً منها، ليس دعماً أو تبريراً ولا حتى هجوماً، فقط وصف لحالة عبثية تجذبك بلا إرادة رغم هذا الكم المهول من التناقض! لا أدعي أنني وصلت لتفسير واضح لكل ما سبق، فلا زلت منجذباً بشدة نحو هذا الفلكلور المصري الخالص بكل ما فيه دون تفسير واضح، فقط هي حالة تختلط فيها مشاعرك بين السعادة والشجن!
ورسالتي الدائمة لجميع التيارات المخالفة والمختلفة:
"دعوهم وشأنهم، لن يبرحوا، قد يبلغوا".
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك