(متدينة من نوع آخر). . رواية تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والدين
ليست كلّ الروايات تُقرأ بوصفها حكايات فبعضها يُستدرج القارئ إليه كما تُستدرج الأسئلة الكبرى في لحظات الصمت؛ وهذا ما شعرتُ به وأنا أقرأ رواية «متدينة من نوع آخر» للكاتبة سحر حسب الله، إذ لم أجد نفسي أمام نصّ يروي بقدر ما وجدتني داخل تجربة تُفكّك وتُعيد تركيب الإنسان من داخله .
هذه الرواية لا تقف عند حدود التدين بوصفه ممارسة بل تنفذ إلى طبقاته الأعمق حيث يصبح الإيمان سؤالًا يوميًا، لا إجابة جاهزة ويغدو الإنسان ساحة صراع مفتوحة بين ما يؤمن به وما يُطلب منه أن يكونه.
في هذا العمل لا تُقدَّم البطلة “ليلا” باعتبارها نموذجًا مثاليًا بل ككائن متوتر، حيّ، ومليء بالتناقضات التي تمنحه صدقه ، فهي لا تنكر إيمانها لكنها ترفض أن تختزله في شكلٍ جاهز ولهذا تقول بجرأة لافتة:
“الإسلام بالنسبة لي هو تدين من نوع آخر"
هذه الجملة في تقديري ليست مجرد تصريح بل بيان أدبي وفكري يختصر روح الرواية كلها؛ إذ تفتح الكاتبة من خلالها بابًا واسعًا لإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والدين، لا بوصفه قيدًا بل تجربة شخصية عميقة تتشكل من الداخل.
ولعلّ من أكثر اللحظات صفاءً في النص تلك التي تهمس فيها البطلة:
“كنتُ أشعر بالهدوء وكل الفوضى التي بداخلي كان يرتبها الله"
هنا لا نتعامل مع خطاب ديني تقليدي بل مع تجربة روحية خالصة حيث يتحول الله من مفهوم إلى حضور ، ومن فكرة إلى نظام داخلي يعيد ترتيب الإنسان من ذاته، هذه القدرة على تحويل المجرد إلى محسوس والروحي إلى تجربة إنسانية ملموسة، هي ما يمنح الرواية طابعها القريب من الأعمال العالمية التي لا تكتفي بالسرد بل تعيد تعريف المفاهيم.
ولا تتردد الكاتبة في الذهاب أبعد من ذلك حين تضعنا أمام جملة صادمة مثل:
“إن الرحمة ما هي إلا ابتلاع للبشاعة في بطون التجاهل"
هنا نلمس جرأة فكرية حقيقية ؛ فالرواية لا تهادن القيم السائدة بل تعيد مساءلتها وتكشف التناقضات التي نحيا بها دون أن ننتبه.
إنها لحظة تعرية أخلاقية بامتياز تُجبر القارئ على إعادة النظر في مفاهيم يظنها بديهية.
أما “ليلا” فهي لا تُبنى كشخصية تبحث عن الانتصار بل عن البقاء دون فقدان الذات وهذا ما يتجلى في قولها:
“أنا لا أُهزم يمكنكِ أن تؤذيني، لكنكِ لا تستطيعين أن تهزميني"
هذه العبارة في سياقها ليست استعراض قوة بل إعلان عن مقاومة داخلية، عن إصرار على الاحتفاظ بالهوية رغم التشظي ، ومن هنا تتحول الشخصية إلى مساحة إنسانية يمكن لكل قارئ أن يرى نفسه فيها بدرجات متفاوتة.
وتبلغ الرواية ذروتها الفكرية حين تقترب من مناطق التأمل الفلسفي كما في قولها:
"لا يكون الإنسان نفسه إلا في الصمت"
هذه الجملة تختصر كثيرًا من الضجيج الذي يحيط بالإنسان المعاصر وتعيده إلى لحظة مواجهة صافية مع ذاته وهي سمة نجدها في الأدب العالمي الذي يشتغل على الداخل أكثر مما يشتغل على الحدث.
إن ما يميز هذا العمل في تقديري أنه لا يمنح القارئ إجابات بل يضعه في منطقة رمادية خصبة بالأسئلة:
هل تمثل “ليلا” الحقيقة؟
أم تمثل “سارة” النقيض الصحيح؟
أم أن الرواية تقترح طريقًا ثالثًا لا يُقال صراحة بل يُفهم من خلال التوتر بين الشخصيتين؟
هذه المساحة المفتوحة للتأويل هي ما يمنح النص عمقه ويجعله قابلًا لإعادة القراءة وهي أيضًا ما يقرّبه من تقاليد الرواية العالمية التي تثق بذكاء القارئ ولا تفرض عليه نتيجة جاهزة.
اللغة في الرواية ليست مجرد أداة بل حالة شعورية متقلبة؛ فهي مشحونة حينًا ، هامسة حينًا آخر، كأنها تكتب تحت ضغط التجربة لا تحت استعراض البلاغة وهذا ما يمنحها صدقها ، كما أن الفضاء الذي تتحرك فيه الأحداث رغم كونه أوروبيًا، لا يُستخدم كديكور بل كعنصر ضاغط يكشف هشاشة الهوية، ويضع الشخصية في مواجهة مباشرة مع ذاتها، دون حماية ثقافية مألوفة.
أما عن الكاتبة سحر حسب الله، فيمكن القول إنها تكتب من الداخل لا من خارجه؛ لا تكتب لتُقنع بل لتُقلق، ولا لتُجيب بل لتفتح الأسئلة على مصاريعها.
إنها لا تتخذ موقع الواعظة بل موقع الإنسان الذي يعرف هذا الصراع ، ويعي تعقيداته ويملك شجاعة طرحه دون تزييف وهذا، في تقديري ما يمنح نصها صدقًا نادرًا ويجعله قادرًا على ملامسة القارئ بعمق.
في النهاية، يمكنني القول إن «متدينة من نوع آخر» ليست رواية عن التدين بقدر ما هي رواية عن الإنسان وهو يحاول أن ينجو بإيمانه دون أن يفقد ذاته، ودون أن يتحول إلى صورة لا تشبهه .
إنها عمل يضع القارئ أمام مرآته لا ليطمئنه بل ليجعله يرى ما لم يكن يريد أن يراه؛ وهذا، في جوهر الأدب، هو الإبهار الحقيقي..
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك