من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

((الثقافة .. وتحديات العصر))

أحمد الاكيابي
((الثقافة .. وتحديات العصر))


كثيرون هم من يظنون أن مفهوم كلمة الثقافة يتلخص فى بضعة عروض مسرحية أو أنشطة تُقام في قاعات خاوية إلا من ذوى أصحاب النشاط أنفسهم، أو أنها تنحصر في معرض للكتاب يُقام مرة كل عام وربما عدة مرات، لكن الحقيقة أبعد من ذلك بكثير، فالثقافة روح الأمة وهويتها، وحصنها الداخلي، هي مرآة وعيها، ومخزونها التاريخي، وبوصلتها نحو المستقبل.

أمننا القومى في تعريفه البسيط يتمحور حول قدرة بلادنا على مواجهة المخططات الخارجية، وحين نغوص فى هذا المعنى فإننا ندرك أن المخططات لم تعد كما كانت قديماً على هيئة جيوش واحـتلال مباشر، بل أصبحت على هيئة أفكار، وصور، وأعمال فنية تتسلل إلى القلوب قبل العقول، وهذا ما بات يعرف بالحروب الحديثة، ومن هنا يتقاطع مفهوم الثقافة مع أمننا القومي في أخطر نقطة ممكنة.

بعد نكسة 1967، واستعادة الجيش والشعب لروحه المعنوية بعد أيام قليلة فى معركة رأس العش إلى أن وصلت لانتصار أكتوبر 1973، أيقن العـ،دو أن هذه الأمة يصعب هزيمتها عسكريًا، فكان اليقين أنه لابد من هزيمتها من الداخل، فلم يعد الهدف هو إسقاط الأرض فى المقام الأول، بل إسقاط الوعي، وبسقوطه يسقط كل شئ آخر، بدأت الحرب الجديدة بتشويه ثقافة ووعي المواطن، فكانت السخرية من عاداته وتقاليده، ووصمها بالرجعية، وعلى خط موازى يتم إبهاره بنموذج آخر أجنبي يُسوَّق له تحت شعار "العولمة" و"التحضر" ، ولنجاح ترسيخ هذه المفاهيم فى ذهن الشعوب فليس هناك أداة أقوى من الفن والثقافة.

الأعمال الفنية ليست دائما كما تبدو، فكم من مسلسل أو فيلم يبدو على السطح مجرد قصة اجتماعية مؤثرة، لكنه في العمق يزرع قيما دخيلة على مجتمعنا، على سبيل المثال ودون تعميم نجد في بعض الإنتاجات العالمية الموجهة للمنطقة العربية مشاهد تُعيد تشكيل صورة الأسرة المصرية والعربية، ففي أحد المسلسلات الحديثة من انتاج هذا العام، نرى مشهدًا لابنة صغيرة تتحدى أباها، تغلق الباب في وجهه، وترفض احترام كلمته، فقط لأنه اعترض على مرافقتها لشاب غريب عنها، ليس هذا وحسب بل الأخطر من ذلك أن كل المحيطين به يرون الأب متشددًا، وكأنه عائد من زمن قديم لا مكان له بين التقدم والرقى، هذا لا يستهدف فقط التشويش على صورة الأب النمطية فى أذهاننا كما تربينا عليها، بل هى وسيلة لزرع مبادئ جديدة لدى عقول الأبناء تؤدى إلى إضعاف ترابط الأسرة، التى تعد دوما الوحدة الأساسية في بناء المجتمع، فإذا انهارت الأسرة، يصبح المجتمع هشًا، قابلًا للتغيير الجذري وفق لما يريده العدو بمنتهى السهولة.

وللأمن القومي مجالات عدة تتكامل مع بعضها البعض ومنها: الأمن الاجتماعى، ومن وجهة نظري البسيطة يبقى الأمن الاجتماعي هو الأهم والأخطر، لأنه يمس وحدة بناء الأمة، فإذا تم تفكيك الأسرة، تم تفكيك المجتمع، وإذا تم تفكيك المجتمع، لم تعد هناك حاجة لاحتلال أو غزو.

فعلينا أن ندرك جيداً أن ثقافتنا ليست ترفًا ولا تزيينًا لمشهد وطني، بل إنها خط الدفاع الأول عن هوية الأمة ووعيها، وحين يُترك هذا الخط بلا حماية كما ينبغى، يصبح اختراق عقولنا مسألة وقت لا أكثر، لذا فإن معركتنا في عصرنا هذا ليست فقط على الحدود، بل في الكتب، فى المسرحيات، فى المسلسلات والأغاني، وحتى المنشورات القصيرة على وسائل التواصل، إنها معركة بين العقول فى المقام الأول، ولا سيما الأخير.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

7751
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.