عندما تحول الطبخ الجماعي إلى "إرهاب" في تشيلي
كان عدد الضحايا الرسمي (حوالي 3,200 قتيل و38,000 مصاب حسب تقرير ريتيغ)، وتفاصيل عن "القدور المشتركة" كحركة تضامنية نشأت في أحياء الفقراء خلال التسعينيات، وكيف ساهم الانهيار الاقتصادي في عهد بينوشيه (بعد أزمة 1982) في تفاقم الفقر إلى 45% من السكان.
في أعماق الظلام الذي غرق فيه نظام الجنرال أوغستو بينوشيه تشيلي بين عامي 1973 و1990، برز كواحد من أكثر الأنظمة العسكرية دموية وقمعاً في تاريخ أمريكا اللاتينية.

بعد انقلابه الدموي ضد الرئيس المنتخب سالفادور أليندي في 11 سبتمبر 1973، قام نظامه بقتل نحو 3,200 مدني، وتعذيب أكثر من 38,000 آخرين، وإخفاء آلاف المواطنين في مراكز الاعتقال السرية مثل "فيليكا"، كما وثّق تقرير لجنة ريتيغ الحكومية عام 1991. كانت أجهزة الأمن، بقيادة الشرطة السرية "دينايب"، تمارس وحشية تفوق أبشع كوابيس أفلام الرعب، حيث سُجلت حالات تعذيب جماعي وإلقاء معارضين من الطائرات فوق المحيط الهادئ.
لم يقتصر الرعب على الدماء؛ فقد أغرق بينوشيه الاقتصاد التشيلي في فوضى مدوّية.
رغم محاولاته تطبيق نموذج "السوق الحرة" بمساعدة "الفتيان التشيليين" – مجموعة اقتصاديين متأثرين بمدرسة شيكاغو – انهار النظام عقب أزمة 1982، حيث انخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 14%، وارتفعت البطالة إلى 30%، ووصل معدل الفقر إلى 45% من السكان، خاصة في أحياء الصفيح الفقيرة .
في مواجهة هذا الجحيم، لجأ التشيليون إلى "القدور المشتركة" (Ollas Comunes)، وهي حركة تضامنية عفوية نشأت في التسعينيات، حيث يتجمع الجيران – غالباً نساء العمال – ليطبخوا وجبات جماعية بسيطة من الأرز والفاصوليا والخضروات المتوفرة، تغذي مئات الأرواح يومياً في مئات المواقع الاجتماعية.
لكن هذا التضامن البسيط، الذي يعكس الفطرة الإنسانية في مواجهة الأزمات، شكّل تهديداً وجودياً لنظام يعتمد أساساً على التفرقة والاستيداد.
أدرك بينوشيه وحاشيته أن التجمعات تُظهر قوة المجتمع وقدرته على الاستقلال، فصدرت أوامر رسمية في الثمانينيات تصنّف "القدور المشتركة" كـحركة إرهابية تهدف إلى زعزعة النظام العام"، مع مداهمات للمتجمعين واعتقالات بتهم "التآمر الشيوعي".
كان هذا التصنيف جزءاً من استراتيجية أوسع لإبقاء الشعب مفلساً ومعزولاً، معتمداً على رواتب زهيدة ومساعدات شحيحة.
أما نهاية بينوشيه، فهي قصة أخرى من العدالة المتأخرة: حوكم عام 1998 بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وتوفي عام 2006 تحت الإقامة الجبرية، تاركاً إرثاً من الدماء والفساد الذي ما زال يُلهم التشيليين حتى اليوم.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك