نادرة جحا _ القصة الثانية.
كانت القاعة الكبرى تفوح برائحة البخور الفاخر الممزوج برائحة عرق خفيفة ناتجة عن التفكير العميق في "مصير الرعية". الجدران مزينة بستائر ثقيلة من المخمل، تتدلى فوق رؤوس الحكام الذين جلسوا بياقاتهم المنشّحة بالبياض الناصع، وكأنهم تماثيل من الشمع وُضعت لتزيين المكان لا لإدارته.
دخل جحا. لم يكن دخوله مهيباً، بل كان يشبه دخول ذبابة مزعجة في غرفة نوم هادئة. كان يرتدي قفطاناً باهتاً بلون "اليأس"، وحذاءً يصدر صريراً مضحكاً يكسر هيبة الصمت الرخامي.
تنحنح الحاكم الأكبر، وهو رجل ذو وجه يشبه الرغيف المحترق، وقال بصوت يخرج من أعماق معدة ممتلئة:
"يا جحا، الرعية يئنّون. الفلاحون يطالبون بالأرض، والأرض ضاقت بهم. نريد حلاً عبقرياً، حلاً لا يكلف الخزينة قرشاً واحداً، ويرينا عظمة عقلك."
ساد صمت ثقيل. كان جحا يراقب ذبابة تحاول الهبوط على أنف الحاكم. فكر جحا: "هؤلاء القوم يظنون أن المشكلات تُحل بالخطب، تماماً كما يظن المريض أن الشفاء في قراءة الوصفة لا في شرب الدواء."
الاقتراح العبقري
مسح جحا لحيته ببطء شديد، وكأنه يستخرج منها معادلات فيزيائية معقدة، ثم قال بجدية قاتلة:
"الأمر بسيط يا أصحاب المعالي.. لماذا لا نرسل هؤلاء الفلاحين ليزرعوا البحر؟"
توقف الزمن للحظة. سقطت ريشة الكتابة من يد السكرتير. نظر الحكام إلى بعضهم البعض بنظرات تجمع بين الغباء المتأصل والدهشة المصطنعة. صاح أحدهم، وهو رجل نحيف كقلم رصاص مبريّ:
"تزرع البحر؟! يا لك من أحمق! كيف يمكن للقمح أن ينبت في الملح؟ وكيف للفلاح أن يحرث الأمواج بآلة من حديد؟"
الفلسفة "الجحوية"
اقترب جحا من نافذة القاعة، ونظر إلى الأفق البعيد حيث تتلاطم الأمواج بعبثية تشبه عبثية قرارات هذا المجلس، وقال بصوت هامس ومؤثر، كأنه بطل في مسرحية تراجيدية:
"يا سادة، أنتم تظنون أن المشكلة في الملح والماء؟ كلا! المشكلة في ضيق الخيال. الفلاح الذي استطاع أن يقنع الأرض الصخرية بأن تعطيه خبزاً، قادر على إقناع البحر بأن يصير حقلاً. من يزرع الأرض بكدّ يديه، يمكنه أن يزرع المحيطات بقوة فكره.. وبقليل من الخيال، سيتحول الموج إلى سنابل، وتصبح الحيتان ثيران حرث!"
ضحك جحا في سره وهو يرى لمعة "الاقتناع" بدأت تظهر في عيون الحكام. ليس لأن الفكرة منطقية، بل لأنها فكرة "خارج الصندوق" تعفيهم من إعطاء الفلاحين أراضٍ حقيقية!
بدأ الحكام يتناقشون بجدية مضحكة: "نعم، سنحتاج إلى محاريث خشبية تطفو!"، "وسنستبدل السماد بالطحالب!". تحول المجلس إلى جوقة من المجاذيب الذين يرتدون الحرير.
خرج جحا من القاعة، وبينما كان يركب حماره الذي كان ينتظره في الخارج بملل، همس في أذن الحمار:
"أرأيت يا صديقي؟ الحكام يحبون الحلول المستحيلة، لأنها تمنحهم عذراً رائعاً عندما لا يتحقق أي شيء في النهاية."
وانطلق جحا يضحك، بينما كان الحكام بالداخل يضعون اللمسات الأخيرة لمشروع "البطاطس المائية"، وهم يشعرون بفخر عظيم لأنهم "فكروا" خارج اليابسة!
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك