من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

أوفيد وتجربة المنفى

د. محمد عبدالله القواسمة
أوفيد وتجربة المنفى



وجدت ظاهرة المنفى، نفي الآخر المخالف للسائد في العادات والتقاليد والثقافة والحب والسياسة وغيرها منذ القدم، منذ وجود السلطة، أية سلطة، سلطة الأسرة، أو القبيلة، أو العشيرة، أو الدولة. وأكثر من نعرض لتجربة المنفى هم الأدباء، وبخاصة الشعراء؛ فهم، في العادة، الذين يحلمون بواقع مغاير لما يعايشونه، دون إخفاء في الغالب لأحلامهم ومشاعرهم في أشعارهم، بخلاف غيرهم من ذوي الأفكار الأيديولوجية والسياسية؛ لهذا من السهل على السلطة أن تتعرف إليهم، وتعرضهم للنفي خارج مدنهم وأوطانهم. 

لعل من أوائل الشعراء، الذين عرفتهم البشرية، ممن تعرضوا للنفي الشاعر الروماني القديم أوفيد (Ovid)، واسمه الكامل بوبليوس أوفيديوس ناسو الذي عاش بين (43 ق. م – 17 أو 18 م) وعرف في بداية حياته الشعرية بأنه شاعر الحب والغزل، ولكنه غدا في النهاية شاعر المنفى؛ ففي السنة الثامنة للميلاد نفي بعيدًا عن مدينته روما، إلى مدينة توميس، التي تقع على البحر الأسود في رومانيا اليوم. بأمر شخصي من الإمبراطور الأول لروما أوغسطس قيصر الذي حكم من (27 ق. م - 14 م) 

أما نفيه فكان لسببين: الأول لتعارض شعره مع تشريعات أغسطس الأخلاقية، التي تحث على الفضيلة، والانضباط الأخلاقي، وتشجع على الزواج؛ ففي كتابه "فن الهوى" يتحدث عن كيفية إغواء النساء، وتعليمهن فنون الحب، وحبك العلاقات والمكائد الغرامية. والسبب الثاني هو أن الشاعر كان على علم بمؤامرة أحيكت على الإمبراطور من داخل قصره، وتتمثل في معرفته بعلاقةٍ غراميةٍ بين جوليا ابنته وأحد أعدائه السياسيين. وقد ألمح أوفيد إلى السببين في كتابه "المراثي" بقوله: 

"أهلكني ذنبان: قصيدة وخطأ" 

والقصيدة هي "فن الهوى"، أما الخطأ الثاني فيلمح إليه في موضع آخر بقوله:

"لم أرتكب جريمة 

لكن عيني مذنبة،

رأت ما لا ينبغي أن يُرى"

كان للمنفى تأثير كبير في الشاعر، وظهر ذلك في مجموعتيه: "المراثي" أو "الأحزان"، و"رسائل من البحر الأسود" ففي كتابه "المراثي" يتألم أوفيد لفراق روما، ويصف ليلة الرحيل عنها: 

"تلك الليلة كانت آخر ليلة لي في روما،

ليلة لا يمكن أن تغيب عن ذاكرتي

عندما اضطررت لترك كل شيء عزيز عليّ"

ثم يصف لحظة الوداع:

"كم من الدموع سقطت تلك الليلة،

وكم من الأحزان ملأت قلبي

وأنا أودّع بيتي وأصدقائي" 

ويشكو في موضع آخر من قسوة المنفى، الذي زُج فيه، ويتعذب بغربته الثقافية واللغوية: 

"هنا أرض باردة قاسية،

لا يُسمع فيها صوت اللاتينية،

وأنا غريب بين قوم لا أفهم لغتهم"

وفي رسالة شعرية إلى أصدقائه، وردت في كتابه "رسائل من البحر الأسود" يتألم من فراقه روما، وخوفه من نسيان الناس له.

"إن كانت ذاكرتكم لا تزال تحتفظ باسمي،

فاذكروا رجلًا يعيش في أقصى الأرض

لكنه ما زال يحب روما كما كان"

وفي قصيدة أخرى يحس بالانكسار، لأن المنفي لم يُبق له شيئًا غير الشعر الذي صار وطنه:

"أخذت مني روما كل شيء،

ولم تترك لي سوى الشعر"

ويقول عن بيته الذي عاش فيه:

"نظرت إلى جدران بيتي التي أحببتها،

كأنني أودع جزءًا من نفسي"

إن تجربة المنفى التي قدمها أوفيد في شعره كانت قاسية ومريرة، خاصة وأنها جاءت بعد أن غرق في تجارب من الحب والعشق، كما تجلت في أعماله الأولى: "فن الهوى" و"علاج الحب" و"التحولات". لقد أسست تجربة المنفى لديه لما يمكن تسميته "أدب المنفى" الذي يطفح بالحنين إلى الوطن، وتُبعث فيه، آلام الغربة، والإحساس بفقدان الهوية. فالمنفى تجربة إنسانية تتكرر عبر العصور؛ فلا يوجد (كما أرى) شاعر عانى من النفي في الشرق والغرب لم يتأثر أو يقترب من الأفكار والأحاسيس، التي مر بها اوفيد في منفاه. فعلى سبيل المثال، نلاحظ في وطننا لعربي أمثال هذا التأثر أو الاقتراب عند كثير من الشعراء الذين تعرضوا للنفي، وعايشوا تجربة المنفى، بدءًا من شعراء الأندلس، والمهجر، وانتهاء بالشعراء المحدثين والمعاصرين من أمثال شوقي ومحمود درويش والسياب وغيرهم. وهذا شوقي يحن في منفاه إلى مصر يقول: 

وَسَلا مِصرَ هَل سَلا القَلبُ عَنها

أَو أَسا جُرحَهُ الزَمانَ المُؤَسّي

كُلَّما مَرَّتِ اللَيالي عَلَيهِ

رَقَّ وَالعَهدُ في اللَيالي تُقَسّي

ونرى الشاعر بدر شاكر السياب العراق يسكن في قلبه وذاكرته، كما سكنت روما في قلب الشاعر أوفيد وذاكرته:

جلس الغريب، يسرح البصر المحير في الخليج

ويهد أعمدة الضياء بما يُصَعِّدُ من نشيج

أعلى من العبَّاب يهدر رغوُهُ ومن الضجيج

صوتٌ تفجر في قرارة نفسي الثكلى عراق

كالمد يصعد، كالسحابة، كالدموع إلى العيون

الريحُ تصرخ بي عراق

وهذا محمود درويش يتألم من الغربة، ويترجح بين عالمين لا ينتمي إلى أحدهما مثلما أوفيد في منفاه، يقول: 

أنا من هناك أنا من هنا

ولستُ هناك ولستُ هنا

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

7763
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.