تفتيت الزمن في الرواية المصرية المعاصرة: قراءة في رواية "سر الهوى" لصبحي موسى
بين ذاكرة تتشظى وحاضر يحاول التماسك، تقدم "سر الهوى" تجربة سردية تعيد تشكيل الزمن بوصفه كيانًا حيًا، حيث تتداخل الحكاية مع الفلسفة، ويتحول الموت إلى بداية جديدة في رواية تكشف عن عمق المغامرة الفنية في السرد المصري المعاصر.
تُعد رواية سر الهوى، الصادرة عن دار صفصافة بالقاهرة، للكاتب المصري صبحي موسى، واحدة من أبرز التجارب السردية اللافتة في الرواية المصرية المعاصرة، لا لثراء حكايتها الإنسانية فحسب، بل لجرأتها الفنية في تفكيك الزمن وإعادة تركيبه بوصفه بنية سردية وفلسفية في آنٍ واحد.
منذ مستهلها، لا تنصاع الرواية إلى منطق السرد الخطي التقليدي، بل تعمد إلى تقويضه، لتبني بدلاً منه نسيجًا زمنيًا متشظيًا، تتداخل فيه الأصوات وتتقاطع فيه الأزمنة. فالشخصية المحورية، الشهايبي، لا تُقدَّم بوصفها كائنًا بشريًا عاديًا ينوء بثقل الشيخوخة، بل بوصفها كيانًا ملتبسًا، يتأرجح بين الأسطورة والواقع، ويتحدى فكرة الفناء ذاتها. إنه نموذج إنساني يتجاوز حدوده البيولوجية، ليغدو استعارة كبرى للزمن الذي يرفض أن يُختزل في خط مستقيم أو نهاية حتمية.
تفتيت الزمن في الرواية لا يأتي بوصفه حيلة شكلية، بل كوعي سردي عميق بطبيعة الزمن الإنساني، ذلك الزمن الذي لا يُقاس بالساعات، بل بالتجارب، والذكريات، والانكسارات. فالشهايبي يعيد رواية ماضيه بصيغ متعددة، متباينة، بل ومتناقضة أحيانًا، في إشارة دالة إلى أن الحقيقة نفسها ليست معطى ثابتًا، بل بناءً سرديًا يتغير بتغير الوعي والذاكرة. وفي مقابل هذا الصوت المراوغ، يقف الابن عمر، الصحافي القادم من المدينة، بوصفه ممثلاً للعقلانية الحديثة التي تسعى إلى ترتيب العالم، لكنها تعجز أمام فوضى الأب وغموضه الوجودي.
هذا التوتر بين زمنين—زمن الذاكرة وزمن الواقع—وبين فضاءين—الريف والمدينة—يُنتج طاقة درامية كثيفة، تتجلى في صراع الأبناء مع الأب، حيث يتحول الجسد العجوز إلى ساحة معركة بين منطق الوراثة المادية ومنطق البقاء الرمزي. فالأبناء، في سعيهم إلى الحجر على أبيهم، يمثلون اختزال الإنسان في قيمته المادية، بينما يصرّ الشهايبي على أن وجوده يتجاوز ذلك، ممتدًا في الزمن، وفي الحكاية، وفي الذاكرة.
ومن اللافت أن الرواية تُحمِّل الجسد دلالات زمنية عميقة. فالشهايبي، رغم شيخوخته، يحتفظ بطاقة حياتية لافتة، تتجلى في علاقاته النسائية المتعددة، حيث تتحول كل امرأة في حياته إلى علامة زمنية، أو طبقة من طبقات وجوده. نجمة، الكاوية، المليحة، زبيدة… لسن مجرد شخصيات، بل تجليات لعلاقة الإنسان بالرغبة، وبالألم، وبالزمن الذي يُكتب على الجسد كما يُكتب في الذاكرة.
وفي قلب هذا العالم المتحرك، تبرز فاطمة، الزوجة، بوصفها رمزًا للثبات في مواجهة التحول، وللوعد في مواجهة التبدل. وفاء الشهايبي لها، حتى بعد رحيلها، يكشف عن بُعد أخلاقي وإنساني عميق، ويطرح سؤالًا فلسفيًا مؤرقًا: هل يمكن للإنسان أن يظل وفيًا لزمنٍ مضى، أم أن الحياة، في جوهرها، فعل خيانة مستمرة للذاكرة؟
أما الموت في هذه الرواية، فلا يُقدَّم بوصفه نهاية، بل كحدث متكرر، كعتبة يُعاد عبورها مرارًا. يموت الشهايبي، ثم يعود، وكأن الموت فقد معناه النهائي، أو كأن الحياة نفسها أصبحت شكلاً من أشكال المقاومة ضد الفناء. وهنا تلامس الرواية أفقًا تأويليًا رحبًا، يقترب من فكرة الخلود الرمزي، حيث يستمر الإنسان عبر الحكاية، لا عبر الجسد.
لغويًا، تنتمي الرواية إلى تيار السرد العربي الحديث الذي يمزج بين الواقعية والغرائبية، مستفيدًا من التراث الشعبي ومن منجزات الرواية العالمية. وهي لغة مشبعة بالحسية، نابضة بالصور، قادرة على أن تنقل القارئ من موقع التلقي إلى حالة المعايشة، حيث لا تُقرأ التجربة فحسب، بل تُعاش.
في النهاية، لا يمكن اختزال "سر الهوى" في كونها رواية عن رجل عجوز يراوغ الموت، بل هي، في جوهرها، رواية عن الزمن ذاته: كيف يُصنع، وكيف يُروى، وكيف يُعاد اختراعه داخل الوعي الإنساني. إنها نص يضع القارئ أمام مرآة الزمن، لا بوصفه ماضيًا منقضيًا، بل كحضور دائم يعيد تشكيلنا بقدر ما نعيد تشكيله.
وفي سياق الرواية المصرية، تمثل هذه التجربة امتدادًا لتيارات التجديد السردي، لكنها تضيف إليها خصوصية نابعة من عمق البيئة المصرية، ومن ثراء المخيلة الشعبية، ومن جرأة لافتة في كسر القوالب التقليدية.
إنها رواية لا تُقرأ مرة واحدة، بل تُعاد قراءتها، لأن كل قراءة ليست استعادة للنص، بل إعادة خلق له—تمامًا كما يفعل الزمن نفسه.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك