القراءة الماركسية للتراث الإسلامي
من أكثر ما يتردد في تحليلات هذه الأيام الحديث عن "تحقيق التوازن"، وفي الخمسينات نشط من يرون ضرورة التوازن في العالَم بسبب امتلاك الولايات المتحدة للسلاح النووي، ولكنهم لخشيتهم من احتكارها له، لم يكتبوا في الصحف والمجلات بل قرروا المغامرة بمستقبلهم المهني والتحرُّك على حافة حياتهم الشخصية، فسربوا أسرارًا للاتحاد السوفيتي كما فعل ثيودور هول، الذي لم يكن شيوعيًا بقدر ما فعل ذلك بهدف تحقيق التوازن العالَمي، فمثله يمكنه الحديث عن ذلك لا منشئ محتوى رقمي يعتبر أنَّ حشد الإعجاب على تحليل مخالف يخل بالتوازن الإقليمي ويرى في تقديم تحليل مقابل مع حشد اللايكات ما يرفع سقف التوازن!
أزمة مفاهيم
لعل من أشد المناطق انسدادًا في الثقافة الحالية العربية ما يتعلق بالشأن السياسي، وفي أي نقاش سياسي تخرج أزمة المفاهيم جليَّة، مثلًا ليس النصر هو المادي فقط، ولا الهزيمة كذلك، بل هناك شق روحي هو الذي يحدد النصر والهزيمة، وهذا التنظير يعني أنَّه لا داعي لأي نقاش، لأنه ما من خسارة مادية في العالم إلا وفيها شق روحي وفي الحديث: "عجبًا لأمر المؤمن إنَّ أمره كلَّه خير"، فهل هذا يعني أنَّ المؤمن لا يتعرض لخسائر البتة في حياته؟
ورغم أنَّه ببعض الاستشهادات يحاول أن يدفع عن تصوره هذا، إلا أنَّه لا يطرد تمامًا، خذ مثالًا مشروعًا اقتصاديًا، جانب الربح والخسارة فيه محدد بالأموال، لكن متى رأيت آخر مرة من خسر أمواله في مشروع ثم جادل عن ذلك بحجج أنَّ الربح ليس ماديًا فقط لأنَّ هناك حديثًا يقول: "أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: إنَّ المفلس من أتى يوم القيامة بصلاة وصيام وشتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا" بل يمكنه كذلك أن يجد استشهادات تراثية ومن ذلك: "اشْتَرِ وَبِعْ وَلَوْ بِرَأْسِ الْمَالِ" [الحث على التِّجارة/الخلَّال] ويؤلها على انَّ الربح بركة لا تتعلق بالمال، فغالبًا لن تقابل أحدًا بهذا المفهوم، لكنَّه في نقاش السياسة كثير.
حتى في عدم التفريق بين حروب لأجل الدين في نفسه، وبين حروب لقضايا مختلفة، فعلى سبيل المثال كان هناك من يضطهد دينيًا ويلزمه قومه بالشرك والكفر، فهذا لديه حروبه لتثبيت التوحيد في معارك الإسلام الأولى، التي كان فيها جانب الأرض عاملًا ثانويًا بحيث يمكن التخلي عنها والهجرة، ولذا جاء في القرآن ردًا على حجة من رأوا أنفسهم مستضعفين: "ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها"؟ فهذا يختلف عن قضايا أخرى خاض فيها مسلمون لاحقًا حتى في القتال الداخلي، كالنزاع على الحكم فلم يكن الأمر بسبب أنَّ واحدًا منع آخر كلمة التوحيد!
والشعوب التي طالبت بالتحرر، لم تكن مثل الذي أراد العبادة لله وحده فقط ولو في أي أرض كانت، والشعوب التي رفضت الطغيان السياسي ليست كالحال نفسها في قضايا ترتبط بمعقد آخر، فتجميد اللحظة بقضية واحدة، وتعميمها كونيًا فهذا يوقع بأزمة، لأنَّه يحول كل القضايا وفق ترتيب واحد في الأولويات، وهو لا يتسق بتاتًا مع الهدف السياسي لأي قضية، فقد كان المسلمون في المدينة قد انتصروا بحيث وجدوا مجتمعًا بعيدًا عن مكة يمكنهم أن يعبدوا الله فيه وحده دون أصنام حولهم، لكنَّ هذا لا يمكن سحبه على قضايا سياسية جزء أساسي منها عدم إفراغ السُّكان من أرضهم!
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك