من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

أن تكوني إمرأة: اللغة لا تترجم اللاوعي، لماذا خجلت من " برهان العسل؟"

د.أنسام عباس بدران
أن تكوني إمرأة: اللغة لا تترجم اللاوعي، لماذا خجلت من

لماذا تملك لغتنا الأم ذاكرة حتى عندما نتحرر؟

جلست في الصالة أتأمل فنجان قهوتي الذي بدأ يبرد ببطء، بينما الكلمات تسخن في رأسي وتوقظ الذكريات: أن تكوني امرأة؟

أما أنا فكنت أسمع صوت أمي يقول لي: "البنت غير الصبي"… صوت يسبق الفلسفة والميكروفون، يركض ويجلس بجانبي على المقعد خلال سهرة حوار مع فنجان قهوة في كافيه فيلو

(Café philo)

. عنوانها: أن تكوني امرأة.

كانت الشخصيات المدعوة للنقاش أستاذتين في علوم

الفلسفة وشابًا في الثانوية العامة، إضافة إلى حضور من رجال ونساء للمشاركة في النقاش وتبادل الآراء.

بدأت السهرة بدعوتنا للإجابة عن سؤالين:

المرأة هي… مثال: نصف المجتمع

المرأة ليست… مثال: ليست أداة جنسية

ثم قامت السيدة المشرفة بجمع الأجوبة وطلبت من الحضور الوقوف، وحددت نقطتين وطلبت منهم التوجه حسب قناعاتهم إلى النقطة (أ) إذا كان الجواب نعم، وإلى النقطة (ب) إذا كان الجواب لا، والبقاء في الوسط إذا كان الجواب ما بين الاثنين.

لم أتحرك نحو النقطة (أ) ولا نحو النقطة (ب). بقيت في المنتصف، كما بقيت طوال حياتي، بين ما أنا عليه، وبين ما قيل لي أنني يجب أن أكونه وبين ما أريد أن أكون.

في تلك اللحظة خطر في ذهني سؤال واحد: أي نوع من النساء أنا؟ أم، زوجة، ربة منزل تخلت عن مستقبلها الوظيفي وأحلامها…

نظرت إلى يميني، وما زال صوت أمي يقرع الأجراس في ذاكرتي.

بدأ المشاركون الثلاثة بتقديم تعريفهم للمرأة: بين سيمون دوبوفوار وأورسولا لوغان، وتعريف الشاب من

خلال صورتها على شبكات التواصل الاجتماعي. ثم بدأ النقاش بدعوة الحضور لمشاركة آرائهم وتساؤلاتهم وتجاربهم التي كانت غنية ومتنوعة، شملت التعريف البيولوجي ومفهوم الجندرة والصور النمطية.

وبدوري قدمت رأيي أو بالأحرى إحساسي كامرأة ولدت وكبرت في مجتمع عربي-إسلامي تحكمه تقاليد وعادات تحدد حجم مساحة الحريات وتقيده عقليات دينية وموروث شعبي ثقيل الوزن.

ترددت قليلاً عندما طلب مني المشاركة، كان صوت أمي يمسك بيدي ويشدني إلى المقعد. وبعد نهره بقسوة بدأت الكلام، أو ربما الاعتراف:

أن تكوني امرأة:

المرأة هي ثمرة ولدت من ثلاث بذرات اجتمعت سوية:

الطبيعة البيولوجية للأنثى وقدرتها على الحمل والإنجاب والإرضاع، وهو الجزء المشترك بين جميع النساء.

ثمرة المجتمع الذي ولدت ونشأت فيه، وتشربت عاداته وتقاليده التي تحكمه من خلال الدين والهوية الجمعية وقوانين الأحوال الشخصية.

بذرة لا تنمو إلا في المجتمعات الشرقية، إذ نرى الصدمة الثقافية الكبيرة في دول اللجوء عند استقبال

المهاجرين السوريين والتزايد الكبير في عدد حالات الطلاق عند السوريات، وغالبًا ما تكون المرأة هي من تطلب الطلاق.

التربية الأسرية التي تلقتها المرأة تشكل وعيها ومستوى نضجها وشخصيتها وقدرتها على اتخاذ القرارات وتفاعلها مع محيطها، ونظرتها لنفسها، ومدى تقديرها لإمكانياتها، والثقة بمشاعرها وقوة شخصيتها.

منذ سنوات، أهدتني صديقة رواية للكاتبة الدكتورة سلوى النعيمي بعنوان "برهان العسل" بنسختها الفرنسية، وهي تصنف ضمن الأدب الإيروتيكي، حيث تقص الراوية مغامراتها الجنسية وبحثها عن النشوة وتتطرق إلى مفهوم المباح والمحرم. أبهرتني جرأة الكاتبة وموهبتها في السرد، وبعد فترة قررت قراءة الكتاب باللغة العربية، لغتي الأم.

وهنا كانت الصدمة: شعرت بالإحراج من النص وتفاصيله الحميمية، وكان وقع الكلمات صادمًا جدًا رغم أنني بالغة راشدة. تذكرت المشهد في فيلم الرائعة فاتن حمامة "أفواه وأرانب"، عندما قبلها محمود ياسين وبدأت بترديد:" يا لهوي يا بيه يا خرابي يا بيه" شعرت بالارتباك .

لماذا لم أشعر بنفس الإحراج عند قراءة الرواية باللغة الفرنسية؟ فهمت حينها أن الكلمات ليست مجرد حروف، وأن للغة ذاكرتها الخاصة، وأن اللاوعي لا يترجم.

أنا بكل بساطة امرأة ترعرعت في مجتمع المحرمات والممنوعات، الحشمة، العرض، الشرف، ومفهوم العيب والعار والسترة والدين… وما إلى ذلك من أثقال أولمبية.

كانت كل هذه الأثقال نائمة في مخدع اللاوعي على سرير من الصور النمطية للمرأة، وصوت أمي وهو يقول: "كل ما صارت البنت محترمة وخلوقة أكتر كلزما كترو العرسان، والبنت غير الصبي، ما بيصير تحكي مثلو"…

وأنا كنت نائمة على وسادة صنعتها أمي، محشوة بمفاهيم العيب والحرام والخطيئة، وألبسها المجتمع رداءً دينيًا سميكًا لم يستطع لا العلم ولا الثقافة ولا قوة الشخصية أن يبقيها نائمة. انتصر اللاوعي بمخزونه الغني، وأجاب عن سؤال تعريف المرأة التي بداخلي:

أن تكوني امرأة: حاضر أحمل له الامتنان والثقة بالنفس، وماضي ثقيل يلاحقني حتى في كوابيسي، بعقدة ذنب بريئة: يوم ولادتي وخيبة أمل أمي لأنني لم أكن ذكراً…

في تلك الليلة، لم أعد أبحث عن تعريف المرأة، اكتفيت

بأن أتعرف إلى تلك التي تسكنني:

امرأة، أنثى تربت على الخوف وتعلمت متأخرًا أن الشجاعة لا تمحو الذاكرة بل ترافقها.

أنهيت فنجان قهوتي البارد، وخلد اللاوعي إلى النوم، كما استيقظ دون إذني، لكنه قال الحقيقة.

د. أنسام عباس بدران

oumbaligh@gmail.com

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

7796
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.