التأقلمُ بدايةُ التنازلات
أتذكرُ في سني عملي الأولى بحقلِ التدريسِ حيثُ الخبرةُ منعدمةٌ أو تكادُ في التعامل مع أصنافِ زملاءِ العملِ وتنوعِ مشاربهم وجذورهم، أتذكرُ كيف حدث الخلافُ المعتادُ في بدايةِ كلِ عامٍ دراسيّ؟ والصراعاتِ المحتدمةَ والحربَ الضروسَ حول توزيعِ جداولِ الحصصِ والمناهجِ التي يدرّسها كلُ معلمٍ، والصراعاتِ الخفيةَ المتعلقةِ بمافيا الدروسِ الخصوصيةِ.
أتذكر كيف كانت المناقشاتُ تحتد لدرجةِ التراشقِ بالألفاظِ؟ وكيف كان يقوم المعلمُ الأولُ للمادةِ والمسؤولُ عن توزيعِ الغنائمَ بمحاولةِ احتواءِ تلك الصراعاتِ وترضيةِ أطرافِ الصراعِ؟ وبما أن لكلِ علاقةٍ أدواراً تتنوعُ ما بين الذئابِ والحملان، فللأسف وقتها كنتُ ضمن فئة الحملان! وأتذكر كيف كان لا يحسب لي مُقسمُ الكعكةِ أي اعتبارٍ، وكل ما علىّ فعله أن أنتظر الفُتات الذي يتساقطُ من المعركةِ المحتدمةِ بين الأسودِ والضباعِ والكلابِ والعقبان.
مرت التجربة وقد تأملتُ وتعلمتُ، وحين جاء الموسم التالي من مواسم الصيد وتوزيع الفرائس طالبتُ بالعدالة في التوزيع، فإذا بهم على قلبِ ذئبٍ واحدٍ ينظرون لي شذراً وكأني انتزعت قلوبهم من صدورهم أو خلعت أبوابَ ديارهم، فكيف لي أن أتحدث؟ وكيف أتطفل على موائد القوم؟ وحين تمسكت بحقي اكفهرت الوجوهُ الكالحةُ وتسارعت أوراقُ الخريفِ المستترِ خلفَ بساتين الربيعِ الوهميةِ بالتساقطِ والرحيلِ.
موقفٌ آخرُ لا يختلفُ كثيراً عن الموقفِ السابقِ حين اغتربت عن وطني واضطرتني الظروفُ أن أتشاركَ في السكن مع أحد المعلمين من جنسيةٍ عربيةٍ، وكيف تغاضيتُ في البدايةِ عن كونه مدخناً شرساً؟ ولا يصبرُ على عدمِ سماعِ جارةِ القمرِ!!! وحين اعترضتُ على المتواليةِ التي لا تنتهي من السجائر التي تشتعلُ أفواهها من أعقاب أخرى تم حرقها، أو حين اعترضت على قرآن فيروزَ الذي لا ينقطعُ عن المكانِ ليلَ نهارَ كان رده أشدَ برودةٍ من سيبيريا أو القطب الجنوبي فإذا به يتبجحُ قائلاً: أنت لم تعترض منذ البداية! وبناءً عليه فلا يحقُ لك التأففُ أو الاعتراضُ، ولستم في حاجة إلى توقع الحركة التالية على رقعة الشطرنج، فقد كان لزاماً عليّ أن أنسحبَ من المعركةِ الخاسرةِ والانتقالِ إلى سكنٍ آخر بمفردي مع درسٍ بليغٍ في حتميةِ الاحتماءِ بجناب (لا) والتصميمِ عليها والتمسكِ بها.
الكارثةُ في رأيي حين تتحولُ الخدماتُ المقدمةُ لمثلِ هؤلاء من المنتمين للبشرِ فاقدي معالم الإنسانيةِ أنك تُستباح من قِبلهم رويداً رويداً حتى تصيرَ كلك بالنسبة لهم كلأ مباحاً قابلاً للانتهاك في كل وقت وحين، بل وتصيرُ تلك التنازلاتُ حقاً مكتسباً لهم وليس من حقك التأففُ أو الاعتراضُ فضلاً عن الثورةِ والانتفاضِ.
وخلاصةُ القولِ مَنْ جعل ظهره مطيةً لغيره فلا يبكينّ من قسوةِ السوطِ وجحيمِ الركلاتِ، فطريقُ الاستباحةِ والمهانةِ يبدأُ بخطوةٍ، ومن أحنى ظهره ولو مرةً فلا يلومَن مَنْ اعتلاه.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك