حامــدُ والِذئْــبُ
كانَ حامِدُ يَعيشُ في قريَةٍ بسيطةٍ , وكانَ يُوجَدُ بِجوارِ قَرْيَتِهِ مَزارِعٌ كَبيرَةٌ للْمَواشي ومَزارِعٌ للْدَواجِنِ , وحَوْلَ القَرْيَةِ أَيْضَاً مزارعٌ كَبيرَةٌ لأشْجارِ المانْجو والفَواكِهِ الأُخْري , و كانتْ هَذِهِ القَرْيَةُ تُطِلُّ علَي مِنْطَقَةٍ صَحْراويةٍ وحَوْلَها الجِبالُ , ولِهَذَا فِإِّنَ أَهالي هَذِه المِنْطَقَةِ كانوا دائِماً ما يَخافونَ علَي أَوْلادِهِمْ الصِّغارِ منْ الخُروجِ وَحْدَهُم خَوْفاً عَلَيْهِمْ منْ الذِّئابِ خَاصَّةً في اللَّيْلِ .
ذَبَحَ والِدُ حامِدُ خَروفاً وأَحَّب أنْ يُهْدي إلَي خالَةِ حامِدَ قِطْعَةً منْ لَحْمِ الخَروفِ , فَجَهَّزَ قِطْعَةً طَيِّبَةً منْها , وطَلَبَ منْ حامِدَ أنْ يَحْمِلَها إلَي خالَتِهِ , وكانَتْ في آَخِرِ القَرْيَةِ بِجِوارِ المِنْطَقَةِ الجَبَلِيَّةِ بَيْنَما كانَ مَنْزِلُ حامِدَ في أَوَّلِ القَرْيَةِ .... .

خافَتْ والِدَتُهُ عَلَيْه منْ السَّيْرِ وَحْدَهُ , ولَكِنَّ والِدَهُ قالَ لَها : إنَّهُ رَجُلٌ , إنَّ عُمْرَهُ الآنَ قدْ تَجاوَزَ الحادِيَةَ عَشَرَ عاماً , يَجِبْ أنْ
يَتَعَلَّمَ تَحَمُّلَ المَسْئوليَّةَ .
كَما أنَّ الوَقْتَ كانَ قَبْلَ المَغْرِبِ , ولمْ يَدْخُلِ الليْلُ بَعْدُ، ولكِنَّها قَلِقَتْ عَلَيْهِ , وظَلَّتْ تَقولُ لَهُ : كُنْ حَريصاً يا بُنَّي .
أَعْطَتْ لَهُ والِدَتُهُ سِكِّيناً لِكَيْ يُعْطيها لِخالَتِهِ لِكَيْ تَقْطَعَ اللَّحْمَ بِها , لأَنَّ سِكِّينَها قَدْ ضاعَتْ , وطَلَبَتْ منْها أنْ تُرْسِلَ لَها السِّكينَ مَعَ حامِد. .
خَرَجَ حامِدُ وهُوَ خائِفٌ يَرْتَعِشُ منْ ما يَسْمَعُه منْ الكَلامِ عنْ الذِّئابِ لَكِنَّه كانَ يَتَذَكَّرُ كلامَ والِدِهِ بِأَنَّهُ يَجِبُ أنْ يَتَعَوَّدَ علَي مُواجَهَةِ الصِّعَابِ , فَهُوَ رَجُلٌ , ويَجِبُ أنْ يَكونَ علَي قَدْرِ المَسْئولِيَّةِ , والشَّجاعَةُ منْ شِيَمِ الرِّجالِ .
كانَ حامِدُ يَعُدُّ الخُطُواتِ وهُو ينَظْرُ إلَي الأَرْضِ حتَّي لا يَدْخُلَ الخَوْفُ إلَي قَلْبِهِ .
وأَثْناءَ اقَتِرابِ حامِدَ منْ مَنْزِلِ خالَتِهِ , فوجِيَء بِوجودِ ذِئْبٍ أَمامَهُ يُكَشِّرُ لَهُ عنْ أَنْيابِه , لمْ يَكَدْ يُصَدِّقُ حامِدُ ما رَآهُ .
ظَنَّ أنَّهُ يَحْلُمُ , وتَسَمَّرَ مَكانَهُ وفَكَّرَ ماذا يَفْعَلُ ؟
تَذَكَّرَ حامِدُ أنَّ الذِّئْبَ يُحِبُّ اللَّحْمَ , ولِهَذا رَمي نَحْوَهُ قِطْعَةَ لَحْمٍ كَبيرَةٍ منْ اللَّحْمِ الذِّي مَعَهُ , واتَّجَهَ الذِّئْبُ نَحْوها علَي الفَوْرِ وشَمَّها , ولِكِنَّهُ سُرْعانَ ما عادَ إلَي حامِدَ , وحينَئِذٍ تَذَكَّرَ حامِدُ أنَّ مَعَهُ سِكِّيناً فَأَخْرَجَها علَي الفَوْرِ وأَخْفاها خَلْفَ ظَهْرِهِ , واتَّجَهَ إلَي مَنْزِلِ خالَتِهِ مُسْرِعاً , وجَرَي الذِّئبُ خَلْفَهُ .

وصَعَدَ حامِدُ علَي سُلَّمِ مَنْزِلِ خالَتِهِ , ولَكِنَّ الذَّئْبَ كانَ قدْ وَصَلَ إِلَيْهِ , واقْتَرَبَ مِنْهُ , وبِمُجَرَّدِ أنْ وصَلَ الذَّئْبُ إِلَيْهِ لمْ يَكنْ حامِدُ يُصَدَّقُ ما حَدَثَ , ولمْ يَكُنْ يَدْري بِنَفْسِهِ , فَأَخْرَجَ السِّكينَ وطَعَنَ الذِّئْبَ بِها في رَقَبَتِه التِّي كانَتْ قَريبَةً مِنْهُ جِدَّاً , وقدْ أَوْشَكَ الذَّئْبُ أنْ يَفْتَرِسَهُ .
لَمْ يَشْعُرْ حامِدُ بِشَيْءٍ بعد ذلك , فَقَدْ خارَتْ قُوَيَ الذِّئْبِ , فَهرَبَ حامِدُ والسِّكينُ مُعَلَّقَةً في رَأْسِ الذِّئْبِ , أَمَّا الذئْبُ فَقَدْ ابْتَعَدَ عنْ المَنْزِلِ مُتَرَنِّحاً منْ شِدَّةِ الطَعْنَةِ .
نَظَرَ حامِدُ للذَّئْبِ فَوَجَدَ أنَّهُ قدْ طَعَنَهُ طَعْنَةً قَوِيَّةً , والسِّكِينُ مُعَّلَقَةٌ بَرَقَبَتهِ , فَشَعَرَ بالرَّاحَةِ والهُدوءِ , ثُمَّ عادَ واتَّجَهَ إلَي مَنْزِلِ خالَتِهِ , وصَعَدَ إلَي أَعْلَي السُلَّمِ وهُوَ يَصْرُخُ مُسْتَغيثاً بِخالَتِهِ .
كانَتْ خالَتُهُ قدْ فَتَحَتْ البابَ هِيَ وَزْوجُها .
لأَنَّهُمْ سَمِعوا صَوْتاً غَريباً يَأْتي منْ الخَارِجِ, ولمْ يَعْلَموا أَنَّهُ صُراخُ حامِدٍ
وفَتَحوا البَابَ في نَفْسِ الوَقْتِ الذِّي وَصَلَ فيهِ حامِدُ إلَي البَّابِ , وفوجِئوا ِبهِ أَمامَهُمْ , وقامَتْ خالَتُهُ علَي الفَوْرِ باحْتِضانِهِ .
ونَظَروا إلَي الذَّئْبِ فَوجَدوهُ قدْ سَقَطَ علَي الأَرْضِ والدِّماءُ تَسيلُ منْهُ , بيَنْما حامِدُ قدْ وَصَلَ إلَي البابِ .
شرَحَ لَهُمْ حامِدُ ما حَدَثَ , فرِحَتْ الخالَةُ والأًسْرَةُ كُلُّها بِشَجاعَةِ حامِدَ المُبْهِرَةِ , وصارَتْ قِصَّةُ حامِدَ مَعْروفَةً للْقَرْيَةِ كُلِّها , وأَصْبَحَ حامِدُ رَمْزاَ في القَرْيَةِ للْشَجَاعَةِ والإِرادَةِ
وقالوا إنَّ الشَّجاعَةَ الحَقيقيَّةَ تَظْهَرُ أَحْيانَا َحينَ وُجودِ الضَّرورَةِ لَها .
وتَمَرُّ الأَيَّامُ بَعْدَ ذَلِكَ لِيُصْبِحَ حامِدُ ضابِطاً في الجَيْشِ , ويَحْصُلْ علَي أعْلَي الأَوْسِمَةِ في الشَّجاعَةِ والفُرُوسِيَّةِ .
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك