من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

سياسة الردع

أحمد لملوم
سياسة الردع

منذ عام 2011 والرحى تدور، والأنفاس تلهث في دوامة تاريخية لم تترك لنا فرصة لالتقاط الأنفاس. إنها ضريبة الزمن والمنطقة، لكن في غمار هذا التعب، يظل العقل هو السلاح الوحيد الذي لم يستهلك بعد. إليكم قراءة في المشهد، من قلب الصراع، بلغة الواقع لا الخيال.

​الدروس المستفادة: موهبة "شيكابالا" في السياسة والحرب

​إلى حزب الله، ثمة فارق جوهري بين "الذكي" و"الموهوب". الذكي يخشى التكرار كي لا يُكشف، أما الموهوب فهو الذي يملك "العلامة المسجلة". مثل "ترقيصة" شيكابالا؛ الجميع يعرف أنها قادمة، الحارس والمدافع والمدرب حفظوا الزاوية والطريقة، ومع ذلك يسجلها لأنه أتقن التنفيذ لدرجة الإعجاز.

​لكن الإتقان وحده لا يكفي؛ فالردع الحقيقي ليس في "صد" الضربات فحسب، بل في التدرب على "الرد" الموازي. الخصم حين يدرك أن اندفاعه سيُقابَل برد سريع وصاعق، سيفكر ألف مرة قبل أن يتقدم بتلك الحماسة الانتحارية.

​رسائل في بريد القوى الإقليمية

​إيران: إن استعراض القوة ضد الجوار ليس حلاً. الدفاعات الجوية وقصف حاملات الطائرات أو شل حركة السفن المعادية هو الرسالة الأقوى. الخليج، في صمته، قد يضيق ذرعاً بالهيمنة الخارجية؛ فإذا طال أمد الحرب، قد تجدين فيه حليفاً أو على الأقل "محايداً إيجابياً" إذا وجد أن مصلحته في التخلص من الوصاية الأمريكية.

​العراق: أنت الرئة والملاذ. استهداف مقرات الدعم اللوجستي هو الأجدى، لأن دورك التاريخي والجغرافي يحتم عليك أن تكون مؤمّناً للسلاح والدواء والغذاء، لا مجرد ساحة اشتباك مفتوحة.

​اليمن (الحوثي): في حروب الوجود والموازنات الكبرى، "الصاروخ الواحد" هو مجرد رسالة بريدية تائهة. القيمة الحقيقية تكمن في الكثافة والضغط المستمر الذي يغير المعادلات، لا الذي يكتفي بتسجيل الحضور.

​تركيا: السياسة ليست دائماً "رقصاً على الحبال". أحياناً يكون الوضوح والموقف الحاسم هما أقصر الطرق لتأمين المصالح مع حلفاء يحترمون الكلمة والموقف وقت الجد.

​رؤى جيوسياسية: من القاهرة إلى بكين

​مصر: تظل هي المبتدأ والخبر. في عز الفوضى، يدرك المرء أن وجود الدولة المصرية هو صمام الأمان الوحيد. لو كانت الدنيا كلها "مصر" في رسوخها وقدرتها على الاحتمال، لكان العالم مكاناً أكثر أمناً.

​الصين: تايوان تفاحة ناضجة، لكن "السوق" هو الجائزة الكبرى. إذا وضعت بكين ثقلها ضد الهيمنة الأمريكية، فستجد الشرق الأوسط بأكمله سوقاً مفتوحة لها وحدها، وهو انتصار اقتصادي يفوق في قيمته مكاسب الجغرافيا الضيقة.

​روسيا: اللعب على التناقضات الداخلية الأمريكية هو الفن الحقيقي. تشجيع الانقسام ثم استيعاب "الرموز" الفارة هو ضربة في قلب الكبرياء الغربي.

​كلمة أخيرة للداخل والخارج

​إلى الخليج، ترتيب البيت الداخلي وفصل الأزمات عن الطموحات التوسعية هو بداية الحل. وإلى إسرائيل، المعادلة بسيطة رغم تعقيد الدماء: "حرروا الأسرى لإنهاء الحرب"، فالعناد لن يورث إلا مزيداً من التآكل.

​نحن متعبون، نعم. لكننا لا نزال نتعلم، ولا نزال نملك القدرة على تحليل المشهد بعيداً عن القوالب الجاهزة. فالأيام دول، والموهوب هو من يعرف كيف يسجل هدفه في الزاوية المستحيلة، حتى لو كان العالم كله ينتظره هناك.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

7825
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.