من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

شيخ العرب همام بين الواقع والدراما [2]

حمدي البطران
شيخ العرب همام بين الواقع والدراما [2]


لأجل هذا يمكن للكاتب الدرامي أن يتخيل مجمل شخصية شيخ العرب همام، والتي لا يمكن إلا أن توصف بأنها شخصية كاريزمية، مؤثرة، متسلطة، استبدادية، وفضلا عن هذا قيادية، ولها قدرة هائلة على التنظيم والقيادة. 

المواصفات الجسدية لشيخ العرب همام، وفي غياب الوصف التاريخي لها يمكن استنباطها من خلال صفات القائد المتميز، وهي شخصيته المؤثرة، فهو طويل، حاد التقاسيم، له عينان صارمتان، ونظرات نافذة. وفضلا عن هذا تكوين جثماني فارع. تقاسيمه حادة. 

المسلسل من حيث السيناريو والحوار مكتوب بلغة راقية وعالية وتتناسب تماما مع لغة أهل الصعيد في تلك المنطقة بالذات، وهي قنا وفرشوط. ولكن النطق الصحيح لتلك اللهجة غاب عمن كل الممثلين، وظهرت لهجة غريبة لا هي صعيدية ولا هي لهجة اهل الشمال.

غير أننا لا يمكن أن نتسامح مع المخرج في لهجة مماليك المسلسل، ولهجة بعض الممثلين ممن لا يتقنون لغة أهل الصعيد. لأجل هذا جاءت لهجتهم خليط من العامية والعربية ولهجة أهل القاهرة، ويمكننا أن نشبهها بلهجة المستعربين، أو هؤلاء الذين تعلموا اللغة العربية مؤخرا. 

كما أننا لن نتسامح مع المخرج الذي جعلنا نتصور أن كل أوقات شيخ العرب كانت في فصل الشتاء، ولم نشاهده أبدا متحللا من ثيابه الثقيلة التي هي شال من الصوف فوق عباءه أكثر سمكا، كل هذا فوق جلبابين من الصوف، وفانلة كم طويل. كل تلك الملابس من مستلزمات فصل الشتاء، أما في فصل الصيف، فقد كانت هناك ملابس أخر، لم يصورها لنا المخرج، الذي ربما نسي أن فصل الصيف في فرشوط يستغرق معظم العام، وأنه شديد الحرارة ما لم يكن أكثرها وهجا وسخونة. كما أن ملابس الهوارة من أقارب شيخ العرب لم تكن تختلف كثيرا عن ملابس الفلاحين، والمعروف أن ملابس الفلاحين لا تختلف كثيرا عن ملابس العرب، وأيضا عن ملابس البدو والهوارة. كما أن غطاء الرأس الشائع لدي الفلاحين في ذلك الوقت فكان اللبدة المصنوعة من الصوف الأصفر. والجلباب المفرد أو الزعبوط، والذي أندثر منذ مدة لم تكن بعيدة، وقد شاهدنا بقاياها في نهاية الخمسينات.

غير أن المسلسل لم يخلو من المط والتطويل.

 وقد أستهلك النزال والنزاع بين زوجتي شيخ العرب صالحة، وورد اليمن في بلاط شيخ العرب همام معظم أجزاء المسلسل. وكانت الحوار المتبادل على لسان صالحة ينضح بالعصبية، والعصبية هنا ليست الانفعال، ولكنها العصبية بمعني التميز العرقي لقبيلة هوارة على سائر الناس في الصعيد، فهي وزوجها همام في كل حلقات المسلسل يفتخرون دوما بكونهم هوارة، والهوارة لا يزوجون بناتهم لغير الهوارة، وربما يعكس هذا نظرتهم إلى الآخرين نظرة دونية لم يكن هناك بد من إبرازها وإحيائها، غير أن هاتين الشخصيتين أنقذتا المسلسل من الملل. 

أما الشخصيات الفرعية الأخرى فكانت في السياق، وكانت ضرورية لخلق نوع من الواقعية على سيرة شيخ العرب. 

ويحسب للكاتب اختراعه لتلك القصة الرومانسية بين بنت شقيق شيخ العرب وقاطع الطريق، الذي بهره جمال الفتاه فأصابته لوثة الحب، وتعكس تلك القصة الحالمة الي جانب واقعيتها نظرة تعصبية أخري، وهو محاولة قتل هذا الرجل الذي أنقذ عرض الفتاه وأعادها سليمة الي بيت أهلها، وهو يعكس نوع من عدم التسامح المقيت.

شخصية شيخ العرب همام الأصلية كقائد وزعيم مثيرة للجدل، وقد أهملها التاريخ. فلم يكتب عنها سوي بضعة أسطر. وتحدث عنها باستفاضة المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي. وكان سبب الحديث هو وفاة شيخ العرب همام، والغالب أن الجبرتي لم يشاهد شيخ العرب همام وشاهد أحفاده فقط وأولاده، فكانت مناسبة ليكتب الجبرتي ما سمعه عن شيخ العرب همام.

وإذا كانت المصادر التاريخية تنسب مولد شيخ العرب في 1709 ميلادية , 1121 هجرية، وتوفي في 1769 ميلادية , 1183هجرية. فإنه يكون قد عاش ستين عاما، وهو ما يتناسب مع أعمار أهل البلاد في ذلك الوقت. 

غير أن المسلسل يبدأ بشيخ العرب وعمره ستين عاما وهو التاريخ الذي توفي فيه والده ولم يكن شيخ العرب همام قد أنجب اول أبناءه الذكور، ولم قد دخل في دائرة المجد والسلطان. 

أما قيام الممثل الكبير يحيي الفخراني بدور شيخ العرب همام فهو لم يكن مناسبا على الإطلاق من عدة وجوه.

الممثل يحيي الفخراني ممثل ممتاز بكل الوجوه، وأدي دور شيخ العرب باقتدار، إلا أن ممثل آخر يمتاز بالطول، والجسد الفارع، وحدة التقاسيم وعمق النظرة، كان يمكن أن يكون أكثر إقناعا من الممثل يحيي الفخراني المترهل، خصوصا وأن لدينا من ممثلينا المصريين من تتوافر فيهم تلك المواصفات. 

غير أننا لا يمكن أن نغفل صوت الممثل. وهو في عصر شيخ العرب كان له دور حاسم في أوصاف الزعامة، فالصوت الجهوري والعميق والمؤثر كان من أبرز عوامل التأثير في الناس وقوة الإقناع، وهو ما لم يتوافر بكل أسف في صوت الممثل يحيي الفخراني الرقيق. 

أنها انطباعات عن مسلسل شاهدنا منه نصف الحلقات تقريبا، غير أننا لأجل هذا لم نناقش كثيرا الوقائع التاريخية، ولا الصورة الهزلية التي ظهر بها علي بك الكبير، ولا كبار المماليك أمثال عبد الرحمن بك كتخدا، وصالح بك شاهين، وهي الشخصيات التي لعبت دورا حاسما في إنهاء إمبراطورية شيخ العرب همام.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

7835
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.