من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

أول محاكمة سياسية في مصر " 1 "

حمدي البطران
	أول محاكمة سياسية في مصر


في عام 1998 أحتفل المصريون بذكري مرور مائتي عام على حملة نابليون بونابرت على مصر والمعروفة باسم الحملة الفرنسية، وقد أنقسم المصريون وقتها الى قسمين، قسم يري أنه لا يجوز لنا أن نحتفل بذكري اليمة هي ذكري الاحتلال الفرنسي، بينما قال آخرون ان الاحتفال يتم بمناسبة مرور قرنين كاملين على أول تبادل ثقافي بين المصريين والعالم الغربي. أيا كان الأمر احتفال بمحتل أو احتفال بتبادل الثقافي، إلا أن الأمر لم يكن له حد فاصل بين الفريقين. بمعنى أن الحملة لم تكن كلها احتلال، ولم تكن كلها فائدة المصريين. فقد كانت لها أهداف عسكرية أعلن عنها نابليون بونابرت وأعلن عنها المؤرخون الفرنسيون. 

كما أن الجانب الثقافي فيها معروف، وسجله لنا الجبرتي بكل دقة. 

كانت دقة الجبرتي في تسجيل الأحداث هي التي دفعتني الى اختيار قضية محاكمة سليمان باعتبارها تمثل أول تحقيق جنائي في قضية اغتيال سياسية، ولكنها كانت أول مرة يسمع فيها المصريين عن قانون الجمهور الفرنساوية، وهو ما نبه له فيما بعد الشيخ رفاعة الطهطاوي في كتابة تخليص الإبريز في تلخيص باريز. 

كما أن تحقيق القضية والإجراءات التي اتخذت حيالها هي من مبادئ القانون الجنائي المصري المستمد من أغلبه من القوانين الفرنسية.

كما أنها المرة الأولي في مصر التي لا يقتل فيها القاتل بمجرد القبض عليه.

أما ما أثار الجبرتي هو أن الفرنسيين لم ينفذوا القتل في سليمان الحلبي بمجرد اعترافه. وانتظروا تشكيل المحكمة ومحاكمته.

ويقول الجبرتي إنها " تتضمن خبر الواقعة وكيفية الحكم عليها , ولما فيها من الاعتبار وضبط الأحكام من هؤلاء الطائفة الذين يحكمون العقل ولا يدينون بدين , وكيف وقد تجرأ على كبيرهم ويعسوبهم رجل أفاق أهوج وغدره وقبضوا عليه وقرروه , ولم يعجلوا بقتله , وقتل من اخبر عنهم بمجرد الإقرار بعد ان عثروا عليه ووجدوا معه آلة القتل مضخمة بدم ساري عسكرهم وأميرهم , بل رتبوا حكومة ومحاكمة واحضروا القاتل وكرروا عليه السؤال والاستفهام مرة بالقول , ومرة بالعقوبة , ثم أحضروا من اخبر عنهم وسألوهم أفرادا ومجتمعين , ثم نفذوا الحكم فيهم بما اقتضاه التحكيم , وأطلقوا مصطفي أفندي البرصلي الخطاط حيث لم يلزمه حكم ولم يتوجب عليه قصاص , كما يفهم من فحوي السطور فخلاف ما رأيناه بعد ذلك من أوباش العساكر العثمانيين الذين يدعون الإسلام ويزعمون أنهم مجاهدين وقتلهم وتجاريهم على هدم البنية الإنسانية "    

تنحصر وقائع القضية في انه في يوم في يوم 14 يونيو1800 , وبينما كان قائد الحملة الفرنسية الجنرال كليبر الذي خلف نابليون بونابرت يستعرض كتيبة جديدة أضيفت الى الجيش الفرنسي عرفت باسم كتيبة الأروام، وبعدها عاد الى الأزبكية ليتفقد أعمال الترميم في دار القيادة العامة ومسكن القائد العام بعد أن ثورة القاهرة، وكان يصحبه المسيو بروتان المهندس المعماري، وبعدها ذهبا الى منزل الجنرال داماس حيث أعد لهما وليمة دعا اليها القواد وبعض أعضاء المجمع العلمي، وبعدها عاد كليبر ومعه المهندس بروتان الى منزله. وبينما كليبر يسير وبجانبه بروتان خرج عليهما سليمان الحلبي من مكمنه وراء بئر الساقية , واقترب من كليبر ,ومد اليه يده, كأنه يتوسل , وسرعان ما طعنه بخنجر أصابه في صدره , تعقب بروتان الجاني , وأمسكه وطعنه القاتل ست طعنات , وعاد القاتل مرة ثانية الى كليبر وطعنه ثلاث طعنات ليجهز عليه , نقل الجنرال كليبر الى منزل داماس , وبدأت عملية البحث عن القاتل ووجدوه مختبئا في الحديقة الملاصقة لدار القيادة العامة , وساقوه الى دار أركان الحرب , وكانت علامات الجريمة ظاهرة عليه , وهو ما يعرف في قانون الإجراءات الجنائية المصري بحالة التلبس .لأن الحائط الذي أمسكوه بجواره كانت به الآثار الدماء , وكانت ملابسه ملوثة بالدم , كما عثروا على الخنجر والدماء على نصله . وفي صباح اليوم الذي ارتكب فيه سليمان الحلبي الجريمة شاهده أحد الخدم، وشاهده أيضا ياور كليبر ديفوج، وكان يعتقد أنه من العاملين في المنزل.

ولنترك الجبرتي يحكي لنا بأسلوب المندهش ما حدث تلك المحاكمة الغريبة بعد أن تجرأ القاتل على كبيرهم. وهو يحكي خطوات المحاكمة خطوة بخطوة، وقد أورد الجبرتي النص كما نقله عن النسخة المترجمة التي أمرت المحكمة بإعدادها، ولم يغير الجبرتي منها شيء، وقد بدت فيها بعض الركاكة في الألفاظ. وسنحاول أن نوضح الخطوات وما يقابلها من مفردات القانون الجنائي المعروفة لدينا.

1. وصف الواقعة.

في ذلك اليوم وقعت نادرة عجيبة , وهي أن ساري عسكر ( ) كليبر كان مع كبير المهندسين يسيران بداخل البستان الذي بداره في الأزبكية , فدخل عليه شخص حلبي وقصده , فأشار عليه بالرجوع , وقال له مفيش , وكررها , فلم يرجع , وأوهمه أن له حاجة , وهو مضطر في قضائها , فلما دنا منه , مد اليه يده اليسرى , كأنه يريد تقبيل يده , فمد الآخر يده , فقبض عليها , وضربه بخنجر كان في يده اليمنى أربع ضربات متوالية فشق بطنه وسقط الى الأرض صارخا , فصاح رفيقه المهندس , فذهب الىه وضربه ضربات وهرب , وسمع العسكر الذين خارج الباب صرخة المهندس فدخلوا مسرعين فوجدوا كليبر مطروحا وبه بعض الرمق , ولم يجدوا القاتل فانزعجوا , وضربوا طبلهم , وخرجوا مسرعين يفتشون عن القاتل .

2. التحريات وجمع المعلومات. 

ولم يزالوا يفتشون عن القاتل , حتي وجدوه منزويا في البستان المجاور لبيت ساري عسكر المعروف بغيط مصباح بجانب حائط منهدم , فقبضوا عليه , فوجدوه شاميا , فأحضروه وسألوه عن اسمه وعمره وبلده , فوجدوه حلبيا واسمه سليمان , فسألوه عن محل اقامته, فأخبرهم أنه يقيم ويبيت بالجامع الزهر , فسألوه عن معارفه ورفاقه , وهل أخبر احد بفعله , وهل شاركه احد فثي رأيه , وأقره على فعله أو نهاه عن ذلك , وكم أمضى بمصر من الأيام أو الشهور , وعن صنعته وملته , وعاقبوه حتي أخبرهم بحقيقة الحال , فعند ذلك علموا ببراءة المصريين من ذلك , وتركوا ما كانوا عزموا عليه من محاربة أهل البلد . وكانوا قد أرسلوا أشخاصا من ثقاتهم تفرقوا في الجهات والنواحي , يتفرسون في الناس , فلم يجدوا فيهم قرائن دالة على علمهم بذلك , ورأوهم يسألون الفرنسيس عن الخبر , ثم أنهم أمروا بإحضار الشيخ عبد الله الشرقاوي, والشيخ احمد العريشي القاضي ( ), وأعلموهم وعوقوهم الى نصف الليل , وألزموهم بإحضار الجماعة الذين ذكرهم القاتل , وأنه أخبرهم بفعله , فركبوا وصحبتهم الأغا , وحضروا الى الجامع الأزهر, وطلبوا الجماعة فوجدوا ثلاثة منهم , ولم يجدوا الرابع , فأخذهم الأغا وحبسهم ببيت قائمقام ( ) بالأزبكية , ثم أنهم رتبوا صورة محاكمته على طريقتهم في دعاوى القصاص .

3. تقرير الصفة التشريحية للمجني علىه. 

بيان شرح الاطلاع على جسم ساري عسكر العام كليبر.

يوم الخامس والعشرين من برريال ( )من السنة الثامنة من انتشار الجمهور الفرنساوي ( ).

نحن الواضعون أسماءنا وخطنا فيه باش حكيم والجراح من أول مرتبة الذي صار مرتبة باش جراح.

انتهينا من حصة ساعتين بعد الظهر الى بيت ساري عسكر العام في الأزبكية بمدينة مصر، وكان سبب روحتنا هو أننا سمعنا دقة الطبل وغاغة الناس التي كانت تخبر إن ساري عسكر العام كليبر أنغدر وقتل، وصلنا له فوجدناه في آخر نفس، فحصنا عن جروحاته.

 فتحقق لنا إنه قد أنضرب بسلاح مدبب وله حد، وجروحاته كانت أربعة، منها تحت البز في الشقة اليمنى، الثاني أسفل الأول جنب السوة , الثالث في الذراع الشمال نافذ من شقة لشقة، الرابع في الخد اليمين.

فهذا حررنا البيان بالشرح في حضور الدفتر دار سارلتون ( ) الذي وضع إسمه فيه كمثلنا، لأجل أن يسلم البيان المذكور الى ساري عسكر مدير الجيوش.

 تحريرا في سراية ساري عسكر في النهار والسنة المذكورة في الثالثة بعد الظهر , بإمضاء باش حكيم، وخط الجراح.

شرح جروحات المهندس الستوين بروتاين.

نهار تاريخه خمسة وعشرين من شهر برريال السنة الثامنة من انتشار جمهور الفرنساوي في الساعة الثالثة بعد الظهر. 

نحن الواضعون أسماءنا وخطنا فيه، باش حكيم وجراح من أول مرتبة.

انطلبنا من الدفتر دار سارلتون إننا نعمل بيان شرح جروحات الستوين بروتاين المهندس، وعضو من أعضاء مدرسة العلماء في بر مصر الذي إنغدر أيضا جنب ساري عسكر العام كليبر مدير الجيوش.

مضروب ستة أمرار بسلاح مدبب وله حد.

وهذا بيان الجروحات.

الأول: في جنب الصدغ، الثاني: في الكف في عظمة الإصبع الخنصر، الثالث: بين الضلوع الشمالية، الخامس ( ): في الشدق الشمالي، السادس: في الصدر من الشقة الشمالية، وشق نحو الصدر.

ثم الى تأييد ذلك وضعنا أسماءنا وخطنا برفقة الدفتردار سارلتوت .

تحريرا في سراية ساري عسكر مدير الجيوش في الىوم والشهر والسنة والساعة المرقومة أعلاه بإمضاء:

باش حكيم، وخط الجراح كازابيانكا , والدفتر دار سارلتون .

4. التحقيق مع المتهم.

أول فحص: سليمان الحلبي نهار تاريخه خمسة وعشرين من شهر برريال من السنة الثامنة من انتشار الجمهور الفرنساوي.

في بيت ساري عسكر داماس مدبر الجيوش.

واحد فسيال ( ) من ملازمين بيت ساري عسكر العام، حضر وبيده ماسك راجل من أهل البلد، مدعيا انه هذا هو الذي قتل ساري عسكر كليبر، وانعرف من الستوين برتائن المهندس الذي كان مع ساري عسكر حين إنغدر، لأنه أيضا انضرب برفقته ذاته، وانجرح بعض جروحات.

ثانيا: المتهوم المذكور كان إتشاف بين جماعة ساري عسكر من حد الجيزة، وإنوجد مخبي في الجنينة التي حصل فيها القتل، وفي الجنينة نفسها انوجد الخنجر الذي به انجرح ساري عسكر، وبعض حوائج أيضا بتوع المتهوم.

فحالا بدئ الفحص بحضور ساري عسكر منو الذي هو أقدم أقرانه في العسكر، وتسلم في مدينة مصر، والفحص المذكور صار بواسطة الخواجا براشويش , كاتم سر وترجمان ساري عسكر العام، ومحرر من يد الدفتر دار سارلتون الذي أحضره ساري عسكر منو لجل ذلك المتهوم المذكور.

سئل: عن اسمه وعمره ومسكنه وصنعته. 

جاوب: أنه يسمي سليمان ولادة بر الشام، عمره أربعة وعشرين سنة، ثم صنعته كاتب عربي، وكانت سكنته في حلب.

سئل: كم زمان له في مصر.

جاوب: أنه بقي له خمسة أشهر، وانه حضر في قافلة وشيخها يسمي سليمان بوريجي.

سئل: عن ملته؟

جاوب: إنه من ملة محمد، وانه كان سابقا سكن ثلاث سنين في مصر، وث3لاث سنين في مكة والمدينة.

سئل: هل يعرف الوزير الأعظم ( ). وهل من مدة شافة؟ 

جاوب: إنه إبن عرب، ومثله لا يعر فالوزير العظم 

سئل: عن معارفه في مصر.

جاوب: إنه لم يعرف أحدا، وأكتر قعاده في الجامع الأزهر، وجملة ناس تعرفه وأكثرهم يشهدون في مشيه الطيب.

سئل: هل راح صباح تاريخه الجيزة؟

جاوب: نعم، وإنه كان قاصد ينشبك كاتب عند أحد، ولكن ما قسم.

سئل: عن الناس الذين كتب عندهم أمس.

جاوب: إن كلهم سافروا.

سئل: كيف يمكن أنه لم يعرف أحدا من الذين لهم في الأيام الماضية. وكيف يكونوا كلهم سافروا؟ 

جاوب: إنه ليس يعرف الذين كان يكتب لهم، وانه غير ممكن إن يفتكر أسمائهم.

سئل: من هو الآخر في الذين كتب لهم؟

جاوب: إنه يسمي محمد مغربي السويسي بياع عرق سوس، وإنه ما كتب لأحد في الجيزة.

سئل ثانيا: عن سبب روحته للجيزة؟

جاوب: أنه كان قصده يشتغل كاتب.

سئل: كيف مسكوه في جنينة ساري عسكر؟

جاوب: إنه ما إنمسك في الجنينة، بل في عارض الطريق.

فذاك الوقت إنقال له إنه ما ينجيك الا الصحيح لأن عسكر الملازمين مسكوه في الجنينة، وفي المحل ذات إتوجدت السكينة، وفي الوقت انعرضت عليه.

جاوب: صحيح إنه كان في الجنينة، ولكن ما كان مستخبى، بل قاعد، لأن الخيالة كانت ماسكة الطرق، وما كان يقدر أن يروح للمدينة، وان ما كان عنده سكينة، ولم يعرف إن كان هذا موجود في الجنينة.

سئل: لأي سبب كان تابع ساري عسكر في الصبح؟

جاوب: إنه كان مراده فقط يشوفه.

سئل: هل يعرف حتة قماش خضرة التي بايتة مقطوعة من لبسه؟ وكانت إنوجدت في المحل الذي إنغدر فيه ساري عسكر.

جاوب: إن هذا ما هي تعلقه.

سئل: إن كان تحدث مع أحد في الجيزة وفي أي محل نام؟

جاوب: إنه ما تكلم مع ناس إلا لجل مشتري بعض مصالح، وانه نام في الجيزة في جامع. وأشاروا له على جروحاته التي ظاهرة في دماغه، وقيل له إن هذه الجروحات بينت إنه هو الذي غدر ساري عسكر، لن أيضا الستوين بروتاين الذي كان معه عرفه وضربه كم عصاية الذين جرحوه.

جاوب: إنه ما إنجرح إلا ساعة ما مسكوه.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

7859
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.