جحا وعجائب السوق
كان السوق يومئذٍ يغلي كمرجلٍ نُسي فوق نارٍ لا تعرف الرحمة، يتصاعد منه ضجيج كالبخار، يصفع الوجوه ويملأ الصدور برائحة العرق والتوابل والرغبات الصغيرة. وكان الناس فيه كأنهم ذرات قمحٍ في رحى لا تهدأ، كلٌّ يُطحن بطريقته، وكلٌّ يظن نفسه ناجيًا.
وفي قلب هذا الصخب، كان جحا يمشي… لا، يتسلّل، كأنه فكرة ساخرة قررت أن تتمشى بين الجادّين. جبته البالية تتدلّى عليه كما يتدلّى التعب على كتفي رجلٍ خذلته الأحلام، وقد بهت لونها حتى صار شيئًا بين الذكرى والعدم، كأنها لم تكن يومًا جديدة، بل وُلدت قديمة كما وُلد هو حكيمًا رغم أنفه.
توقّف أمام دكانٍ تتدلى منه الأقمشة كأنها أعلامُ دولٍ لا تعترف بالفقراء. وكان التاجر جالسًا خلفها، منتفخًا في مجلسه انتفاخ ديكٍ روميٍّ يظن أن الأرض خُلقت لتُسمع صوته. بطنه يسبقه إلى الكلام، وعيناه تلمعان بذلك البريق الذي لا يخطئه أحد: بريق رجلٍ يحب الدراهم أكثر مما يحب النوم.
مدّ جحا يده إلى ثوبٍ من الكتان الخشن، فتلمّسه كما يلمس المرء وجه زمنٍ مضى، ثم قال، بنبرةٍ هادئة كأنها خرجت من تحت وسادةٍ مثقلةٍ بالأفكار: "بكم هذا الكفن الأنيق؟"
رمقه التاجر بنظرةٍ تجمع بين الاستهجان والازدراء، ثم قال وهو ينفخ صدره أكثر: "عشرون درهمًا… ولا أنقص حبة خردل، ولو بكى القمر عند قدميّ."
ابتسم جحا… تلك الابتسامة التي لا تُفرّق بين السخرية والحزن، كأنها تعلّمت أن تضحك كي لا تبكي، وقال: "ثمانية دراهم، يا صاحبي. وهذا عرضٌ لا يرفضه إلا رجلٌ لديه فائضٌ من الغباء… أو فائضٌ من العمر يبدّده في المساومة مع الفقراء."
انفجر التاجر ضاحكًا، ضحكةً خرجت من جوفه كأنها دحرجةُ برميلٍ فارغ، وقال: "أتساومني يا جحا؟! أتظن أني أبيع بثمنٍ يُشبهك؟"
عندها، رفع جحا رأسه قليلًا، وعدّل عمامته ببطء، ومسح على لحيته كما يفعل الفلاسفة حين يقررون أن يقولوا شيئًا لا فائدة منه… لكنه يبدو عميقًا: "يا صديقي، أنا لا أطلب المستحيل، ولا أشتري الوهم. أنا رجلٌ بسيط، أتعامل مع الضرورة كما يتعامل الجندي مع آخر طلقة. لا أريد الثوب كله."
سكت قليلًا، ونظر إلى الثوب نظرة من يقيسه على فقره لا على جسده، ثم أكمل: "أريد نصفه فقط."
ارتبك التاجر، كأن أحدهم سحب الأرض من تحت كرشه، وقال: "نصفه؟! وماذا تفعل بنصف ثوب؟ أتلبس نصف جسدك وتترك النصف الآخر حائرًا؟"
هنا، اتسعت ابتسامة جحا، حتى بدت كأنها نافذة صغيرة تطل منها روحٌ ساخرة على عالمٍ جاد أكثر مما ينبغي: "بل سألبس نصفه العلوي، يا رجل… لأستر قلبي عن برد هذا العالم. أما النصف السفلي، فاتركه للريح، فهي أرحم من الناس، ولا تسأل الفقير لماذا هو فقير."
ثم انحنى قليلًا، كأنه يهمس بسرٍ لا يليق إلا بالمجانين والحكماء: "الساقان، يا صديقي، لا تخجلان… لأنهما تعودتا المشي. أما الوجه… فهو الذي يُفضح حين يجوع."
ساد صمتٌ قصير، كأن السوق نفسه توقّف لحظة ليفهم ما قيل، ثم عاد كل شيء إلى صخبه، لكن التاجر هذه المرة لم يضحك. فقط نظر إلى جحا طويلًا، كأنه يرى فيه شيئًا لم يُعرض للبيع من قبل شيئًا لا يُقاس بالدراهم، ولا يُقصّ بالمقص.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك