من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

رؤية نقدية في كتاب إضاءات نقدية في القصة والرواية المعاصرة للأديب جابر بسيوني

بقلم إيمان العسال
رؤية نقدية في كتاب إضاءات نقدية في القصة والرواية المعاصرة للأديب جابر بسيوني


 لم يعد النقد الأدبي المعاصر مجرد متابعة للحكاية او تفكيك لبُنيتها الظاهرة ، بل اتجه ـ في أحد مساراته الأكثر عمقًا ـ لينحاز إلى البعد الفلسفي لا بوصفه ترفًا معرفيًا ، بل بوصفه أداة ضرورية للوصول إلى ما يتخفى خلف الحكاية من اسئلة الوجود والمعنى.

هذا الإتجاه لا يتوقف عند ظاهر السرد ،بل يتجاوزه إلى طبقاته العميقة ، حيث تتحول التفاصيل الهامشية ـ كالألوان ، الأرقام، أو الجماد ـ إلى إشارات كثيفة ، تُعيد تشكيل النص في وعي القارىء.

وهذا ما اعتمد عليه الأديب جابر بسيوني في نقده لرواية " متروبول" للأديبة " ريم أبو عيد " حيث اعتمد على الفلسفة التأويلية ولم يقف عند حدودها ، بل لامس حدودًا تتقاطع مع التصور النفسي والوجودي للذات.

فالمرآة باعتبارها جمادًا لم تعد انعكاس بصري ، بل تحولت إلى وسيط يكشف تعدد الازمنة داخل الذات الواحدة.

ربما كانت المرآة أداة لخلخلة اليقين بالذات ، لا لتاكيدها.

لقد لامس الأديب جابر بسيوني بعض مفاهيم علم النفس ، كفكرة الوعي بالذات أو الإنقسام الداخلي .  

هذا الاتجاه في النقد لا يحتاج لناقد متخصص في علم بعينه بقدر ما يحتاج إلى ناقد مثقف يمتلك " وعيًا فلسفيًا، اطلاعًا متنوعًا، قدرة على الربط بين الرمز وسياقاته الأوسع.

فكلما اتسع أفق المعرفة ، ازدادت قدرة الناقد على إلتقاط ما يتوارى خلف الصورة دون ان يفقد صلته بالنص.

من هذا المنطلق يظل النص مفتوحًا على احتمالات متعددة ، فتمتد مهمة الناقد إلى الكشف عن تلك المساحات التي يظل المعنى فيها مُعلقًا ، بين ما كُتب .. وما يمكن أن يُقرأ.

كنت أود أن يتطرق أيضًا لرقم الغرفة " 309 " حيث يحيل إلى زمن ممتد ، رقم يحمل صدى ثقافيًا ودينيًا، إذ يرتبط بقصة أصحاب الكهف ، الذين لبثوا " ثلاثمائة وتسع سنين " 

المفارقة الموجودة ان غرفة الفندق تعد مكانًا عابرًا مؤقتًا، بينما الرقم يُحيل إلى زمن ممتد وكأن الكاتبة تضعنا منذ البداية أمام توتر بين مكان لا يمكث فيه أحد طويلًا ، ورقم بإقامة تتجاوز الزمن ذاته .

هذه المفارقة تفتح بابًا فلسفيا مهمًا: هل الغرفة مجرد محطة عابرة؟ أم أنها فضاء يتكثف فيه زمن طويل خفي لا نراه؟

اما رواية الحجر العاشق للأديب أحمد فضل شبلول 

تطرق لها الأديب جابر بسيوني واعتمد على نفس النهج وهو الوصول للمعني ، اعتقد أنه عشق الحجر ، فهو كنز منحه القدرة على التأويل . 

اعتمد لأديب أحمد فضل شبلول على انسنة الجماد حيث كان البطل والرواي هو حجر الزمرد ، واضيف عل ما ذكره أن لون الزمرد يستقر في الأخضر وإن اختلفت درجاته ، فهو يمثل الحياة ، الحياة التي ارادها .

حجر الزمرد تشكل عبر أزمنة جيولوجية قديمة ، حيث لا ينال صفاؤه إلا عبر تاريخ طويل ، قيمته لا تنبع من مظهره فهو يحمل في صمته ذاكرة الأرض .

الاحجار الكريمة رمزا للاصالة فهى تحمل داخلها تاريخا من التحولات وفي المقابل الشاشات العنكبوتية تمثل الحداثة. 

وهنا يفرض السؤال نفسه 

هل الحداثة تهدد الأصالة أم تُعيد صياغتها ؟ 

اختيار اسم منال عثمان ثم تحوله لمنال الشال ، يعد تحول من هوية مُعطاة .. إلى هوية مُشكلة ، فالأول يمنحها جذورًا قد تُقيدها ، والثاني قد يمنحها حرية قد تُخفيها.

التغير هنا وقع على اللقب فهى لم تفقد ذاتها ، لكن اعادت تشكيل طريقة حضورها.

استخدم الأديب أحمد فضل شبلول التداخل بين الفانتازيا والخيال العلمي ، حيث حرر النص الإلتزام الصارم بالعلم ، دون أن يسقط في اللامنطق الكامل

هذا النوع من السرد من أكثر الأنواع ثراءً ، لأنه لا يكتفي بسرد الحكاية ، بل يخلق عالمًا يسمح بطرح أسئلة فلسفية عميقة دون التقيد بالواقع أو العلم.

أما عن السباحة في بحيرة البجع للأديبة " نيفال قنديل " فقد رأيت الصورة من خلال نقد الأديب جابر بسيوني وقد انتبهت أن النص الجيد وإن كان بسيطًا يفرض نفسه بكثرة تآويله ، فاختيار البجعة من وجهة نظري ليس بريئًا بل محمل بالرمزية ، البجعة كائن مرتبط بالجمال الصامت ، الحركة الهادئة وفي المقابل تبذل جهدًا خفيًا تحت السطح ، اللون الأبيض يعزز الإيحاء بالنقاء ، لكنه فلسفيا ربما يكون محاولة لتطهير الذات .

الفتاة تنظر لصورة معكوسة لحالتها .

أتفق مع الأديب جابر بسيوني أن لحظة ترك الدبلة هى اللحظة الحاسمة ، واضيف أن الدبلة رمزًا للدائرة المغلقة وتركها يعني كسر تلك الدائرة لكنها فعلتها دون صخب وكأنها اختارت صمت شبيهتها .

تكرار المشهد كان تفكيكًا للمشهد الأول وإعادة تركيبه عبر صدمة ، بكرة تصيب الرأس ، وكأن الزمن يرفض أن يترك التأمل بل يستبدله باصطدام الواقع.

الكرة ليست تفصيلًا عابرًا ، بل رمز للحركة بل للعشوائية حيث جاءت دون استئذان .

ظهور الخطيب جاء بوصفه تحولًا اجتماعيًا ، ليس امتدادًا للعاطفة القديمة ، جاء أكثر صلابة ، هو لا يلتفت إليها ، أو بالأحرى لايمنح اللحظة حضورها .

نستخلص من القراءة الفلسفية أن الاختيارات التي نظنها حاسمة في لحظتها ، قد تفقد مركزيتها مع الزمن.

هذا التحليل يأتي وفق المعطيات التي أقرأها في كتاب الأديب جابر بسيوني . 

وهذا ما يدعونا للتساؤل : 

هل الكتب النقدية لروايات وقصص بعينها تحقق للناقد الانتشار لدى القُراء البسطاء دون قراءة العمل الأصلي ، أم اعماله انحصرت على فئة معينة ؟

أخيرَا رغم ما أراه من جمال وقيمة في القراءة الفلسفية ، فما زال البعض يتهمُنا حين نبحث عن فلسفة النص بالمبالغة ، لا أنكر أن هناك خيط دقيق بين الكشف والإسقاط ، الفلسفة تمنح الناقد حساسية عالية تجاه المعنى ، لكنها في الوقت ذاته قد تغريه بأن يرى أكثر مما يحتمل النص ، هنا يتحدد الفارق الحقيقي .

ليس في مقدار ما نرى كنُقاد ، بل في قدرتنا على تبرير ما نراه داخل النص نفسه.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

7868
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.