من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

اللحية والحلاقة وأشياء أخرى.

حمدي البطران
اللحية والحلاقة وأشياء أخرى.


كنت اثناء خدمتي أحرص يوميا على حلاقة لحيتي واترك شاربي، وكنت أقص شعري لدى حلاق مرة كل شهر، وكان خلالها يقوم بقص شاربي، محافظا على شكله الذي كنت اظهر به وانا في العمل. 

قبل ذلك كان يجب قص الشعر كل نصف شهر لدى حلاقون تابعون لكلية الشرطة. كنت اجلس أيديهم مستغفرا ربي من كثرة الألم الذي تحدثه في رأسي ماكينة نزع الشعر، التي يستخدمونها، وبعد التخرج كان يجب أن أقص شعري لدى حلاق خاص، وكنت اضطر لانتظار دوري في بعض محلات الحلاقة الضيقة، لأجل هذا كنت اترك شعري ينمو، وفي إحدى المرات نبهني مدير الأمن، الى أن شعري قد أصبح جدائل، ولأنني أصلع من الأمام، فقد كنت اتغاضى عن طوله، ولكن في الحياة شبه العسكرية لا ينبغي ذلك، ومن حق رئيسك ان ينبهك الى ذلك بلطف. 

وخلال تنقلي من العمل في أماكن مختلفة كنت اتنقل من حلاق لحلاق، ولأني معظم خدمتي كانت بالصعيد، فقد كنت محل اهتمام الحلاقين، وكنت استمع الى حكاياتهم المدهشة عن زبائنه. كما كنت اعرف منه اتجاهات الرأي العام في مصر، وبعد انتشار موجة الإرهاب العاتية في التسعينات، تلقينا تنبيها بعدم التواجد في الماكن العامة والضيقة، فكنت اطلب من الحلاق ان يأتي ليحلق لي شعري في البيت، وهو ما اثار زوجتي، لما تقوم بعد الحلاقة من إزالة آثارها، التي لم يتمكن الحلاق من إزالتها. وظل الأمر هكذا بين شد وجذب، إلى أن نقلت للقاهرة، وكانت الإدارة التي اعمل بها حلاق، فارتحت جدا، من هم حلاقة شعر راسي. 

ولكن بقي الهم اليومي، وهو حلاقة اللحية يوميا بانتظام، فلم اتركها ابدا نهبا لحلاق يجرب فيها امواسه، ولم اتحمل انامله الباردة وهي تلمس خدودي. لأجل هذا تحملت صاغرا، فكرة الحلاقة اليومية صباحا. وفي سبيل ذلك قمت بتجربة معظم شفرات الحلاقة الموجودة في الأسواق المصرية، ورغم الإعلانات المكثفة، التي كانت تحظى بها شفرات الحلاقة، في فترة من فترات مصر، ألا إنها كانت لكها مؤلمة وتسبب لي خدوشا دامية في لحيتي وخدودي. وظللت اتحمل حتى تقاعدت، واعتقدت أنه من مميزات التقاعد انني سأستريح من حلاقة لحيتي يوميا، ولن ابحث كثيرا عن شفرات ناعمة وجيدة ومستوردة. 

لاحظت ان بعض زملائي ممن تقاعدوا كان يطلقون لحاهم، ولما نمت لحاهم وكبرت وصارت كلحى العرب، وكفار قريش القدماء في كثافتها وغزارتها، وكان بعضهم لا يجد غضاضة في الجلوس طويلا في ساحات مساجد الحسين والسيدة زينب وعمرو بن العاص، فقك فكرت ان أطلق لحيتي لأرتاح من هذا الهم اليومي، الذي لازمني لأكثر من خمسين عاما. 

وما ان تركتها تنمو حتى تعرضت لوابل من الأسئلة، فكنت كلما دخلت المسجد يأتيني أحد الشباب الملتزمين ليناقشني في امر فقهي او أسباب النزول، ولما كانت معلوماتي سطحيه، فكنت استحي، اما ما شجعني على عدم إطلاقها، فإن لحيتي كانت بيضاء تمام. وكذلك الجزء الباقي من شعري في راسي، وبدوت قبل أصبحت جدا، في حين أنني لم أصبح كذلك، وما غاظني أن سيدة اربعينية جميلة قامت من مكانها المترو لتجلسني، وقالت: تفضل يا جدو. 

وقررت تحمل آلام حلاقة اللحية بدلا من احراج اطلاقها. وصرت ابحث عن شفرات الحلاقة وماكينات الحلاقة، وصارت لي صفحة اكتب فيه خواطري، وكنت قد أصبحت شيء ما في الوسط الأدبي وعرفني الناس من خلال صوري كحليق اللحية، فلا يجب ان أغير تلك الصورة التي رآني جمهوري من القراء عليها ولازمتهم كثيرا. 

تحملت صاغر ألم الحلاقة اليومية بالشفرات التي كنت اشتريها بسعر معين , ثم قفزت قفزات هائلة مع ارتفاع الأسعار وغلو الدولار اللعين. 

وقررت ان اجرب ماكينات الحلاقة الكهربائية , وكنت أرى صور الإعلانات والسعادة التي تقفز من وجوه رجال الإعلانات بوسامتهم الملحوظة , فاشتريت واحدة من محل في ميدان الفلكي الشهير بالقاهرة , كانت ألمانية الصنع , وتملأ الكف, عندما تلتف حولها أصابع اليد , ولما جربتها كانت بالفعل ناعمة وسهله , بدلا من الشفرات ومعجون الحلاقة والأفتر شيف, كان الأمر سهلا وميسرا, الى أن سافرت في دعوة لمؤتمر بالجزائر , ونسيتها هناك , في فندق شيراتون الجزائر , وتذكرتها وانا في اعبر التفتيش من المطار, عندما سألتني الضابطة بأدب : هل معك أجهزة كهربائية ؟

ولما رجعت قررا الا استغني من ماكينات الحلاقة الكهربائية والألمانية الصنع، وسرعان ما غزا التنين الصيني كل الصناعات فأفسدها وجاءت ماكينات صينية بأسعار براقة وإعلانات ضخمة وبدأت اشتريها، فلم تستمر معي الواحدة أكثر من ستة شهور.

وقد تتساءل يا عزيزي القارء عن جدوى كل ما حكيت، فأقول انني تعرضت بسبب شغفي بماكينات الحلاقة لعملية خداع كبرى، يبدو أن العزيز مارك الذي أصبح مالكا لصفحتي على الفيس، قد عرف شغفي بها، فانهالت على الإعلانات، بين كل بوست وبوست، وكان شغفي لا يقاوم، فاشتريت واحدة اون لاين، كان سعرها يقترب من الألف. وما مان وضعت لايك حتى برزت لي رسالة تقول " تحت امرك الماكينة سعرها كذا والتوصيل لأي مكان في جمهورية مصر العربية مجاني فقط اكتب العنوان، وادفع عندما تستلم " وبعد يومين وجدت من يتصل ويخبرني انه أمام البيت، وان لي طرد على ذمتي. نزلت ودفعت واستلمت. كنت فرحا بها لأنها صغيرة وانيقة وفي علبة جميلة التقطها حفيدي ليلعب بها. وبذات في تجربتها، وقبلها قرات كتالوج الاستعمال باللغة الألمانية، ترجمه لي تليفوني المحمول، وكان يقول إن الماكينة يتم شحنها بالكهرباء بعد ان تحلق بها ثلاثة أسابيع يوميا. ومن اول مرة بدأت اشعر ان الماكينة تنزع شعر لحيتي عنوة، وسببت لي ألاما فظيعة، جعلتني أندم لأنني اشتريتها واستعملتها، وشعرت بالغيظ المكتوم، فقد كانت تلك هي المرة الأولى التي اتعرض فيها للنصب. 

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

7889
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.